|   

النسخة: الورقية - دولي

تعوّدتُ، طوال سنوات ماضية، إذا عدت إلى مدينتي الرياض، أن أحظى بحفاوة كثير من الأصدقاء النبلاء. لكن لا يمكن لحفاوة أيٍّ منهم، بل ولا لحفاوتهم كلهم مجتمعة، أن تَعدل حفاوة أمي بي.

هي لا تُحسّسني، لأني العائد من السفر، بأني ابنها الوحيد فقط (من دون إخوتي الأربعة)، بل تحسسني بأني الوحيد في هذا الكون الذي لديه أمّ!

هذه المرة عدت إلى الرياض وأمي ليست في البيت تستقبلني، فهي متوعكة في المستشفى، شفاها الله. في الطريق من المطار شعرت بأني أدخل مدينة مهجورة، رغم أن أمي ما زالت فيها، لكن لأن الأم ليست في موضعها الصحيح، فقد تبعثرت كل الموازين، وأصبح كل شيء في غير موضعه!

ولأني تعوّدتُ أن تكون أمي أول من أراه في الرياض، فقد ذهبت من المطار إلى المستشفى مباشرة، وليتني لم أذهب. ليس لأني بأنانيتي لا أحب أن أراها إلا وهي في حال قوتها، ولكن لأني شعرت بالألم في عيونها أنها ضعفت عن أن تستقبلني هذه المرة كما كانت تفعل دوماً، فأدركت أن الخذلان أشد جُرماً من الأنانية.

وحين رجعت من المستشفى إلى البيت ولم أجد أمي فيه أصابني الهذيان... هذيان الأمكنة، إذ لم أعد أُميِّز الفارق الذي كان كبيراً بين البيت والمستشفى، فالبيت هو الذي تكون فيه أمي، فهل بيتي هو المستشفى الآن؟!

في الصباح وجدتُ القهوة، بنفس الطعم المُزعفَر الذي تحبكه أمي، ويذكره المعارف والأصدقاء للمقارنة بالقهاوي الأخرى: «تشبه قهوة أم الدريس»، لكنها بلا روح أمي. الآن أيقنت أن القهوة تسكنها الأرواح!

أحنُّ إلى «تمر» أمي

وقهوة أمي.

أمي لا تصنع الخبز كأم محمود درويش، لكنها تصنع توليفة أطباق التمر المرافقة للقهوة «المرّة المستطابة» لتجعلها خالية من مرارة الحياة.

حين مرضت أمي اكتشفنا أن لديها أبناء وبنات كثيرين، لا خمسة أبناء فقط.

حين يمرض الأبوان سيجدان أن لديهما فعلياً إما: أبناء أقل من العدد الذي أنجباه، أو بالعكس أكثر من ذلك بكثير. لن تجد بجوارك العدد نفسه الذي تعرفه!

أمي ستخرج من المستشفى غداً أو بعد غدٍ بالسلامة بإذن الله، لتعيد الحياة والروح إلى البيت المهجور، لكنّ قلبي مع الذين خرجت أمهاتهم من البيت ولن يعدنَ إليه. غفر الله للأمهات ورحم الله أبناءهن.

أتساءلُ في جنون: كيف يمكن لإنسانٍ عاقل أن يسكن في بيت ليس فيه أُمّ؟!

 

 

* كاتب سعودي

Twitter@ziadaldrees

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available