|   

النسخة: الورقية - سعودي

سبق أن قلت إنني لن أملّ من الحديث في قضايا التعليم ومشكلاته، فإن كان قد أصابكم الملل فتستطيعون تجاهل مثل هذه المقالة، فبعضكم قد يعتبر مثل هذا الكلام مجرد تنظير وإضافةً على الهامش، أما أنا فأعتبره مهماً، فهو حجر زاوية للتعليم الحقيقي، لأنه عندما ننظر إلى النظام التعليمي من زاوية الأرقام والإحصاءات، أو المباني والإنشاءات، أو الوظائف والمسؤوليات فحسب، فإننا سنهمل الأهم وهو الإنسان: المعلم، الطالب، الموظف، الفرد بكل مكوناته العقلية الإدراكية والنفسية والوجدانية والسلوكية، فنضعه كرقم من الأرقام، أو نتعامل معه كما تُعامل الفئران في مختبرات التجارب.

يمكن لي أن أعرض ما أردت قوله بعنوان هذه المقالة من خلال موقف بسيط حصل لي في أول درس أحضره في مشواري التعليمي في مرحلة الماجستير في الولايات المتحدة. وأكاد أجزم أن هذا الموقف الذي حكيت تفاصيله ودلالاته أكثر من مرة، كان آخرها في لقاء تربوي شاركت فيه الأسبوع الماضي في جامعة الملك سعود، يحصل لكثير من الطلاب السعوديين عندما يبدأون مشوارهم الدراسي في الجامعات الغربية.

بدأت مشواري في مرحلة الماجستير في قسم المناهج وطرق التدريس بجامعة بنسلفانيا الحكومية في صيف عام 1987، بتسجيل مقرر عن استخدام تقنية الإعلام في التعليم. في المحاضرة الأولى وقبل أن يتحدث أستاذ المقرر - وهو بروفيسور قد وصل قريباً إلى مرحلة التقاعد - عن أهداف المقرر ومتطلباته، عرض فيلماً كارتونياً عن قصة لحيوانات في الغابة، توزعت الأدوار بينها لتوفير بيئة آمنة ومستقرة داخل الغابة، وبعد الانتهاء من عرضه طلب منا الأستاذ العمل في مجموعات لمناقشة ما الذي يمكن أن يستفيد منه الطلاب من محتوى هذا الفيلم؟ بدأ النقاش وكنت مثل «الأطرش في الزفة» كما يقولون، لأنني توقعت أن تكون البداية تقليدية وعبارة عن تسلسل تعليمات وإرشادات من الأستاذ لطلابه، ومناقشات في هذا الإطار.

ولأني كنت الطالب الأجنبي الوحيد من بين أكثر من 30 طالباً تقريباً، وعند انتهاء النقاش طلب مني البروفيسور عرض ما توصلتْ إليه المجموعة التي كنت أستمع إلى حديثهم من دون اكتراث.

ولأني نشأتُ في بيئة تعليمية لا تتيح للطالب فرصاً حقيقية للمشاركة والتفاعل والتعلم من خلال التجربة، وبسبب عوامل نفسية تتعلق بالخوف من الوقوع في الخطأ عند التحدث باللغة الإنكليزية وقع هذا الاختيار عليّ كالصاعقة، فقمت مرتبكاً ألتفت يميناً وشمالاً، والعرق قد بدأ يتسلل من كل مكان من جسدي، فدس أحد زملائي ورقة في يدي كتب فيها ملاحظات أثناء النقاش، ولكن هيهات أن أستطيع أن أقرأ ما كتب بخط يده، فقد أصبحت لا أرى سوى أشباحاً في الفصل. نطقت بجملتين غير مترابطتين لا تحتويان على شيء، فأدرك الأستاذ صعوبة موقفي فبدأ يتحدث محاولاً منحي فرصة لالتقاط الأنفاس، فسكتُّ ولم أتحدث بشيء، فتحدث زميل وآخر، وهكذا انتهت المحاضرة وأنا غارق في خجلي وعرقي وجمودي.

بعد انتهاء المحاضرة لحقت بالأستاذ وقد اتجه إلى مكتبه، وما أن دخل المكتب حتى استأذنت على خجل ودخلت بعده. قلت له بشكل جاد: أنا اعتذر أنني لم أكن مستعداً للمحاضرة، ولكن أريد أن أحذف المقرر.. قال لي: ولماذا تحذف المقرر، نحن لا نزال في البداية؟ قلت: قد يكون من المناسب أن أسجل المقرر في فصل الخريف، وسأكون أكثر استعداداً. قال لي بشكل حاسم: أنا أتفهم دوافعك، ولكن لا تحذف المقرر. سيكون الأمر على ما يُرام، وستحصل على الدرجة القصوى، ولم يترك لي فرصة أخرى للحديث، فخرجت وأنا غير مصدق. كيف لأستاذ أجنبي أن يكون أكثر عطفاً عليَّ من نفسي! بل كيف لأستاذ أن يضمن لطالب مشوش خجول وجبان الدرجة القصوى، وقد رأى منه ما رأى، وهو على الأقل لا يزال في أول يوم من دراسته.

لقد قلب الأستاذ نفسيتي رأساً على عقب، فكنت قبل لقائه أحدِّث نفسي بأن أركب على أول رحلة جوية، وأعود إلى بلادي، ولكنه مسح كل انفعالاتي بجملة واحدة أو جملتين، لأنه كان تربوياً بامتياز، ولأن خبرته وتأهيله وقيمه لا تسمح له بتدمير مستقبل شاب تراكمت في عقله ووجدانه كل معوقات القدرة على التعبير عن النفس. وبالفعل استثمرت ذلك الموقف وقدّرت لأستاذي إنسانيته، وكانت نتائجي في معظم المقررات هي الدرجة القصوى بفضل الله أولاً، ثم بفضل مثل هذا المربي الفاضل والمعلم اللامع.

من هذا الموقف بدأت أقدر أهمية اللمسة «الإنسانية» للمعلم والمربي تجاه طلابه، وبدأت أتعرف على مدى التأثير الحاسم الذي يمكن أن تُحدثه مثل هذه المواقف الإنسانية البسيطة في عقل التلميذ ووجدانه، وبدأت أقدر الجهد الذي يبذله المعلم للسيطرة على انفعالات الطلاب ونزواتهم، وبدأت أقدر الهم الذي يحمله الطالب إذا وضع في موقف صعب في حياته الدراسية، ولم يجد ذلك القلب الحاني واليد الرحيمة التي تنتشله من هذا الهم وتعيد إليه الأمل بالمستقبل والأمل بالاستمرار والاحتفاء بالنجاح. من هذا الموقف بدأت أتأمل في وجوه الطلاب إذا زرت فصلاً دراسياً، وأتأمل في ردود فعل الأساتذة إذا وقع الطالب في خطأ أو في حيرة من أمره، هل ينهره الأستاذ؟ هل يُضحك عليه زملاءه؟ هل يتعامل معه برفق وحسم في آن واحد؟ من هذا الموقف بدأت أعي أهمية «الفوضى الخلاقة» في الفصل الدراسي، حين يعمل الفصل كخلية نحل بين مشروع هنا ومشروع هناك، ومجموعة تعمل في هذا الركن، ومجموعة أخرى تناقش في ركن آخر، وفي الوقت نفسه يستطيع الطالب التعبير عن نفسه وعن آرائه من دون خوف من إبداء رأيه، أو قمع للفكرة مهما كانت غريبة أو شاذة.

من هذا الموقف بدأت أتلمس الفرق بين نظامي تعليم، الأول يصمم مناهجه وكتبه الدراسية بمعزل عن حاجات الطلاب العقلية والنفسية والسلوكية، وبعيداً عن همومهم وآلامهم وآمالهم، والآخر يتيح للمعلم والطالب أن يخلقوا منهجهم الخاص بهم والنشطات الملائمة لهم بحيث تكون المادة قريبة منهم، ولها معنى في حياتهم. من هذا الموقف بدأت أعي لماذا كان معلم اللغة الإنكليزية يطلب مني أن أكتب عن نفسي وعن أسرتي، وأن أتحدث عن تجاربي، وأن أعبّر عن همومي وآمالي، بينما كان معلم اللغة العربية يطلب مني أن أتحدث عن فتوحات المسلمين في عهد بني أُمية، أو عن البراكين في أميركا الجنوبية، أو عن الطقس في جبال الهملايا.

من هذا الموقف بدأت أشعر بالألم عندما نتعامل مع المعلم أو الموظف في المنظومة التربوية على أنه رقم من الأرقام، فتجد أن ملفه لا يحتوي سوى على قرارات تعيينه أو قرارات مكافأته أو معاقبته وصور من شهاداته، ولكن لا نعرف حقيقة هذا المعلم؟ ما قدراته وحدوده وإمكاناته؟ ما حاجاته وآماله وطموحاته؟؟ ثم نتعامل معه بسلطة التعاميم والتعليمات: افعل كذا، ولا تفعل كذا. ولم نجلس معه يوماً لنسمع رأيه، ونناقش مشكلاته، ونتعرف على شخصيته وقدراته.

 

* أكاديمي سعودي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
  1. Alternate textمازي

    كلام سليم في الصميم.. مشكلتنا التربوية حقا عويصة.. لن تتحسن جودة العملية التربوية إلا عندما نبني المدرس التربوي العصري المتفاعل مع تلامذته لا التقليدي التلقيني...

    الأربعاء 07 أيار 2014 8:31 ص

  2. Alternate textمدرس محبط

    كلام جميل جدا لعلمك يااخي لدينا مدرسين أكفاء واراهن على ذلك ولكن محبطين جداً .السبب لا حوافز ولا تقدير من الوزارة للمتميز والمخلص الكل سوااء متميز أو مهمل مللنا تعب وقهر والمجتمع يحاربنا والإعلام والوزارة ووووووو شئ لا يطاق وانتظر السنوات تمر بسرعة لاتقاعد واترك الذل والغبن .

    الأربعاء 07 أيار 2014 11:08 ص

  3. Alternate textناصر

    كلام جميل من خلال موقف وحيد عممت تجربة كاملة . الموضوع مختلف تعال الى مدارسنا بفصل مكتظ بالطلاب ضيق المساحة وتكييف سيء جدا وأغلبية الطلاب مشاغبين وانت بلا مكتب وبلا كرسي وتشتري اقلام السبورة ولاتجد طاولة تضع عليها اوراقك وسجلاتك داخل الفصل اليس في هذه الاحوال يحتاج المعلم الى لمسة حانية اكثر من الطلاب ؟؟ اعطونا بيئة مدرسية سليمة وابشروا بالخير

    الأربعاء 07 أيار 2014 10:24 م

  4. Alternate textعااااطله

    والله الغبن والتعب والهم لمن تخرجت من ١٦ سنه وماتوظفت والخريجات كل سنه في ازدياد والمدارس عندهم فقر حاد في المعلمات لدرجة معلمه واحده تدرس رياضيات ودين وعلوم ليششششش ماالسببببب في عدم توظيف الخريجات القديمات اتمنى حل هذي القضية التي مررت على جميع الوزراء ولم يجدوا لها اي حل

    الأحد 13 كانون الأول 2015 10:25 ص

  5. Alternate textمعلم

    كلام جميل ورائع...اتمنی ان يكون هنالك تغيير جذري في نظام التعليم في المملكة. واتمنی من الوزير الجديد ان يعطي اهتماما خاصا لقضية تعليم الاخلاق لطلاب المرحلة الابتدائية...وان تغرس في نفوس طلابنا احترام المعلم والتعليم....من خلال مواد تدرس في كافة المراحل تعنی بالادب والاخلاق واحترام العلم والمعلم وكيفية التعامل مع الاخر.كما تعنی بالسلوكيات الصحيحة والسليمة التي يجب ان تنشأ عليها الاجيال القادمة..لأن الطالب الذي لا يحترم معلمه لن يحترم ابدا المادة التي يقدمها له المعلم ولن يحترم المكان الذي يدرس فيه.ولن يكون طالبا ناجحا في المستقبل ...لأنه نشأ علی ازدراء المعلم وعدم تقبل العلم الذي قدمه له هذا المعلم...واظن ان هذه هي المشكلة الكبری التي يعاني منها نظام التعليم في المملكة...واتنمنی ان نركز علی بناء شخصية الطالب السوي المقدر والمحترم للغير بكافة سلوكياته وتصرفاته...فمن خلال خبرتي في التدريس لفترة 12 سنة في المملكة اظن ان المشكلة الاكبر التي يعاني منها نظام التعليم في مدارس المملكة هو عدم الاهتمام بتقويم سلوكيات الاطفال منذ المراحل الاولی ضمن برامج علاجية مكثفة ومدروسة.الحديث يطول ولا مجال

    الأحد 13 كانون الأول 2015 8:29 م

  6. Alternate textحسن

    الله يجعل على يدك الخير كله.

    الأربعاء 16 كانون الأول 2015 12:59 م

مقالاتالأكثر قراءة