|   

النسخة: الورقية - دولي

قد يستغرب البعض اندفاع رجب طيب أردوغان إلى حد ترهيب المجتمعات الأوروبية وتهديد مواطنيها بأنهم لن يكونوا آمنين في شوارعهم، لكن ثمة من لا يجد في الأمر غرابة، ويعتبره محصلة طبيعية للانحدار السياسي الذي يشهده الرئيس التركي وحزب العدالة والتنمية نتيجة تشوهات استئثارهما بالحكم لعقد ونصف العقد من الزمن.

في البدايات، شكل نجاح السياسة الاقتصادية والخدمية ومحاربة الفساد وما رافقهما من انتعاش، الحافز الأهم كي يصوت الأتراك لأردوغان وحزبه، لكن الاقتصاد التركي ونتيجة تداعيات سلطة أردوغان ذاتها، بدأ يعاني من مشكلات تتعلق بانحسار الاستثمار والسياحة وتراجع قيمة الليرة والقدرة الشرائية، ما انعكس بمثالب معيشية واهتزاز الثقة بالحكومة، ربطاً بتسرب معلومات عن ظواهر فساد طاولت مقربين لأردوغان وبعض أفراد أسرته.

لقد كانت قضايا حقوق الإنسان والمسألة الكردية أهم النقاط الخلافية بين الاتحاد الأوروبي وأردوغان، وحاول الأخير تجاوزها أبان فترة حكمه الأولى بتوسيع هامش حريات الرأي والتعبير والصحافة، والاستجابة لمطلب إلغاء عقوبة الإعدام، لكن كم الأفواه بات اليوم سيـــاسة لا تطاق، وتطاول أي موقف أو رأي ينتقد الحكومة أو أردوغان شخصياً، لتتكرر اعتقالات إعلاميين وإغلاق صحف وحجب مواقع التواصل الاجتماعي، والأنكى استثمار المحاولة الانقلابية الفاشلة، للتلويح بتشريع عقوبة الإعدام، ولتشديد القبضة القمعية وشن حملات تنكيل لم تطاول الانقلابيين فقط وإنما مختلف خصومه.

وإذ لاقى استحساناً وعد أردوغان الجريء بإنجاز مصالحة تاريخية مع الشعب الكردي، بدأت بتهدئة وتنازلات متبادلة تلتها مفاوضات مع عبدالله أوجلان في سجنه، لكن الوقت لم يطل حتى نكث الوعد، وفتح الباب لموجة جديدة من الصراع الدموي بين الطرفين، أهم وجوهه تصاعد العمليات العسكرية وقمع حصار ناشطي حزب العمال الكردستاني ومحاصرة نواب حزب الشعوب الديموقراطية المقرب منهم، وتأليب الرأي العام ضد الأكراد بصفتهم الخطر الأكبر على تركيا.

في ما مضى عم رهان على أردوغان لإنجاح نموذج التعايش بين الدين والديموقراطية والعلمانية، وعلى دور حزبه في إشاعة الاعتدال الإسلامي وتعرية جماعات التطرف والتعصب، ما شجع أطرافاً سياسية في المنطقة على تمثل نموذجه في بناء العمارة الإسلامية الديموقراطية، لكن اليوم تبدو الصورة معكوسة، مع اندفاعات أردوغان لخلق تعارض بين الموروث الديني والأسس العلمانية للدولة، واجتهادات لتنميط حياة المجتمع إسلامياً وبخاصة تجاه المرأة، وارتداداً نحو تسييد الهوية الدينية على حساب الحريات الفردية والتنوع والتعددية، محفوفاً بإرشادات ونصائح لتيارات الإسلام السياسي التي تصدرت مشهد الربيع العربي كي تحكم سيطرتها على المجتمع والدولة، وأيضاً بما رشح عن دعمه الخفي لتنظيم «داعش»، إن بتأمين بعض مصادر أسلحته، وإن بتسهيل مرور آلاف الجهاديين الأوروبيين للالتحاق به، وأخيراً الاستخدام المغرض للتاريخ الإسلامي ضد خصومه الغربيين والادعاء بأن معركته معهم هي استمرار للحروب الصليبية.

صفر مشكلات، وتجنب التدخل في شؤون الإقليم والعالم، هو النهج الذي اتبعه أردوغان ولاقى قبولاً وارتياحاً عند الجميع، لكن التدخلات التركية تتنامى اليوم في شؤون المنطقة لتتجاوز المألوف، ليس سياسياً فحسب، وإنما عسكرياً في العراق وسورية، تحدوها معارك بوجوه عديدة، تخاض ضد كل من يناهض أو ينتقد سياسة أردوغان أو شخصه، ويعمقها حضور المصالح الأنانية على حساب الكرامة والمبادئ والقيم، وتالياً نهج براغماتي فاقع ومذل لا يتوانى عن الخنوع للأقوى لتجنب أي ضرر قد يلحق بخطط أردوغان وطموحاته، وكلنا يذكر رسائل الاستجداء والاعتذار لموسكو ثم الهرولة الزاحفة لاسترضاء تل أبيب!

ويبقى الأهم مواقف أردوغان المتناقضة والمستهترة بالثورة السورية، والتي وصلت إلى تسويغ الدور العسكري الروسي، والضغط على المعارضة، وبخاصة القريبة منه أيديولوجياً، كي تنصاع للعملية السياسية التي تقودها موسكو، من دون أن ننسى كيف وظف أزمة اللاجئين السوريين لاستجرار أكبر دعم مالي من الاتحاد الأوروبي، وتصعيده المغرض ضد النظام السوري قبل الانتخابات البرلمانية والذي بدا لكل ذي عين كأنه جزء من المعركة الانتخابية لكسب مزيد من الأصوات المتعاطفة مع معاناة الشعب السوري لصالح حزب العدالة والتنمية.

لا يخطئ من يرجع تحولات أردوغان، إلى نزعات الغطرسة والغرور والأنانية وربما جنون العظمة، والتي استحكمت وللآسف بسلوك العديد من القادة والزعماء الذين منحهم مجتمعهم ثقة متميزة في ظروف خاصة، مثلما لا يخطئ من يربطها باستثمار أردوغان الموجة الشعبوية والعنصرية المتصاعدة في الغرب بعد نجاح ترامب، وأيضاً لا يجانب الصواب من يعتبرها رداً على خطوات الاتحاد الأوروبي البطيئة واشتراطاته المتشددة تجاه انضمام تركيا، والتي ازدادت تشدداً ضد مشروع التعديلات الدستورية، وأخيراً يصيب كبد الحقيقة من يربطها بأزمة بنيوية عميقة تطاول الإسلام السياسي عموماً وأردوغان شخصياً، وتجلت بانكشاف سقف دوره النهضوي، وعجزه عن استعادة شعبية خسرها من قوى غير إسلامية كانت تؤيده بسبب كفاءته ونظافة يده، إضافةً إلى إسلاميين وقفوا معه لاعتداله وموضوعيته، ليبدو نهجه التصعيدي كمحاولة هروب إلى الأمام بقصد خلط الأوراق والتهرب من معالجة الأسباب الحقيقة للأزمة، مستقوياً بتغيير الدستور لتأبيد سلطته، وبتوظيف الدين والتاريخ الإمبراطوري العثماني لتعبئة قوى متخلفة وغوغائية، يعتقد أنها قادرة على نجدته لردع أطراف تركية لا ترضى بدولة دينية حتى لو مكنت بلادهم اقتصادياً وعززت نفوذها الإقليمي.

وأياً يكن السبب، من المفيد التذكير أن أردوغان قد أضاع، بتنصله من النهج القديم الذي كان يميزه، فرصة دخول التاريخ الحديث من أوسع أبوابه، ولربما تقود سياسته الجديدة إلى تمكين حكمه وفرض رؤيته ومنهجه، لكنها تهدد مستقبل البلاد وأسس وحدتها ونهضتها، محرضة صراعات سياسية واجتماعية وثقافية قد تكون مدمرة، والأهم أنها تطيح الخيار الديموقراطي كطريق مجربة لتمكين مختلف قوى المجتمع من المشاركة في البناء والتنمية والتقدم، والذي من دونه ما كان لأردوغان أن يصل إلى ما وصل إليه اليوم.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة