|   

النسخة: الورقية - دولي

كي يستقيم الحديث عن فرصة وشيكة لحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، يفترض وجود دافع قوي لاندلاعها عند الطرفين أو أحدهما على الأقل، ربطاً بانسداد سبل التخميد والتهدئة، وتوافر جهوزية واستعداد لتحمل تكلفتها، مادياً وبشرياً.

لإسرائيل حاجة تتنامى في هذه الآونة للنيل من «حزب الله»، ولوضع حد لما تعتبره مستجدات نوعية عززت تهديده وخطورته على مصالحها الراهنة والاستراتيجية.

أولاً، اتساع الرقعة الجغرافية التي باتت تحت السيطرة المطلقة للحزب، الذي تجاوز مواقعه التقليدية في لبنان وتوغل في عمق الشريط الحدودي السوري، من مدينة القصير، ريف حمص، وحتى مرتفعات الزبداني، غرب دمشق، وفق خطة مبيتة توسلت الحصار والفتك والتدمير لفرض شروط مذلة على قاطني تلك المناطق تقضي بتهجير غالبيتهم إلى الشمال السوري.

هذا ما منح الحزب قدرة أكبر على المواجهة والمناورة، والأهم إخفاء بعض الأسلحة الاستراتيجية، الأمر الذي تعتبره إسرائيل خطاً أحمر وتطوراً خطيراً لا يمكن تمريره، أو السكوت عنه، بخاصة أنها خير من يعلم بما صارت إليه أحوال النظام السوري وتالياً ضعف قدرته على حماية مخزونه من الأسلحة الاستراتيجية وأهمها السلاح الكيماوي، حيث أظهرت مجزرة خان شيخون أنه لا يزال يمتلك منه حصة مقلقة مع خبرة في تصنيعه وإخفائه. زاد الأمر خطورة تقدم دور «حزب الله» في الصراع السوري، ثم وصوله، في سياق مواجهته للمعارضة المسلحة، إلى بعض المواقع القريبة من جبهة الجولان المحتل، وعلى رغم أن إسرائيل لم تتأخر في التصدي لهذه المستجدات عبر غارات وضربات صاروخية على قوافل عسكرية كانت في طريقها إلى «حزب الله» وعلى بعض المواقع التي يتمركز فيها، يبدو أن ذلك لم يشف غليلها ويطمئنها بأنها صارت بمأمن وأجهضت تماماً ما يبيته الحزب.

ثانياً، يرتبط التوقيت بتقدم مناخ عام مناهض لـ «حزب الله» يوفر موضوعياً الغطاء السياسي والعسكري لإسرائيل إن بادرت بالهجوم، إن لجهة انحسار الشعبية القديمة للحزب على الصعيدين العربي والعالمي وسقوط ادعاءاته الوطنية، جراء توغله المخيف في المأساة السورية، وانكشاف شدة ارتباطه بسياسة الهيمنة الإيرانية في المنطقة، وإن لجهة التصعيد اللافت للرئيس الأميركي الجديد ضد إيران ومهاجمتها كراعية للإرهاب، وهو تصعيد امتلك جدية وصدقية، بعد ضربته الصاروخية لمطار الشعيرات السوري، وإن لجهة حضور مصلحة روسية خفية يهمها تحجيم وزني «حزب الله» وإيران في الشأن السوري.

ثالثاً، تراجع وزن «حزب الله» وكفاءته القتالية بعد أن فقد الآلاف من كوادره في الجبهتين السورية والعراقية، ونضيف اهتزاز موقعه لبنانياً مع تزايد المطالبة بتحجيم دوره في الحياة السياسية، بدليل ردود الأفعال ضد استعراضه العسكري في برج البراجنة، واتساع حالة الرفض والتحفظ على تصريحاته الاستفزازية ضد إسرائيل، فكيف الحال مع تواتر الإشارات عن امتعاض قطاع مهم من شيعة لبنان من استمرار زج أبنائهم في مسلسل حروب لا ينتهي، ومع تصاعد حالة الحصار والعقوبات على مؤسساته ومرافقه الاقتصادية، والأهم مع اقتراب المعركة ضد تنظيم داعش من نهايتها، وتحسب إسرائيل من أن يعزز ذلك من عنجهية إيران و «حزب الله» ويمنحهما فرصة لإعادة ترتيب قواهما والتمكن أكثر من التدخل في شؤون المنطقة ورهن مصيرها بمصالحهما وحساباتهما.

في المقلب الآخر، ليس ثمة دافع ذاتي مُلح لـ «حزب الله» لافتعال حرب مع إسرائيل، وهو الغارق حتى أذنيه في الوضعين السوري والعراقي، والعاجز عن تبرير حرب جديدة من زاويتي أهدافها وتكلفتها، اللّهم إلا إذا أدرج الأمر في إطار الرد الاستباقي على ما رشح من تحضيرات إسرائيلية لشن حرب ضده، أو ربما، وهذا الأرجح، تلبية لحاجة إيرانية تتعاظم اليوم لتسخير الصراع مع إسرائيل في سياق الرد على مستجدات بدأت تقلقها، منها الضربات المؤذية التي قامت بها تل أبيب ضد مرتكزات لـ «حزب الله» وإيران في سورية وطاولت عدداً من رموزهما وكوادرهما، ومنها محاصرة تصعيد واشنطن الجديد ضدها، بما في ذلك توظيف تداعيات هذه الحرب للحد من تقدم الدور الروسي في سورية.

بديهي أن تتحكم طهران بسياسات «حزب الله» وقراراته بصفته حزباً يؤمن بولاية الفقيه ويرتبط دوره بمصالح إيران في المنطقة، لكن لن يفوت الحزب، في حال نفذ رغبتها التصعيدية، الإفادة من مظهر هذه الحرب ضد العدو التاريخي للعرب، كي يغسل يديه من دماء السوريين، ويستعيد شعبية فقدها، مراهناً على قطف ثمار التعاطف مع تعاظم معاناة الفلسطينيين من ظلم الاحتلال.

وبلا شك، سوف تصطدم دوافع الطرفين من الحرب العتيدة بحسابات التكلفة والثمن الذي قد يكون باهظاً، والأهم بوجود مصلحة إسرائيلية مضمرة في استمرار حضور «حزب الله» وحليفته إيران في المشهد السياسي، إن لشلّ الحياة اللبنانية وتدمير فرص تقدمها، وإن لمحاصرة الأطراف العربية وإشغالها، تقابلها مصلحة مكشوفة لـ «حزب الله» وإيران في الاتكاء على بقاء التهديد الإسرائيلي لخلط الأوراق والهروب من أزماتهما وتبرير سياستهما التدخلية في شؤون المنطقة.

واستدراكاً نسأل: ما الغرض إذاً من تصاعد تهديدات «حزب الله» الاستفزازية لإسرائيل، وإنذارها باحتلال جزء من الجليل وبتدمير مفاعل ديمونة وضرب خزانات الأمونيا في حيفا؟ ألا يرجح أن يقتصر الأمر على إخافتها لردعها عن شن الحرب؟ أم يفهم كرسالة إيرانية لواشنطن، بعد طلب الرئيس الأميركي إعادة النظر بالاتفاق النووي معها، تضعه أمام معادلة خطيرة، سلامة المفاعلات الإسرائيلية في مقابل سلامة المفاعلات الإيرانية؟

وبالتوازي، ألا تصح قراءة التسريبات الإسرائيلية عن حرب وشيكة تعد لها، كغطاء إعلامي لتمرير الضربات الانتقائية لمواقع الأسلحة السورية التي تشكل خطراً نوعياً على وجودها وأمنها، ولقادة أو مخازن أو قوافل «حزب الله»، بما في ذلك تمكين حكومة نتانياهو من الالتفاف على مشكلاتها الداخلية وامتصاص ما تتعرض له من ضغوط.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة