|   

النسخة: الورقية - دولي

حين ترعى موسكو عملية تهجير مقاتلي حي برزة الدمشقي وعائلاتهم بعد هدنة ومساكنة مع النظام دامت سنوات، وشكلت بشروطها المنصفة نموذجاً يحتذى، وتستتبعها بمقاتلي حيي تشرين والقابون المجاورين، وحين يتكشف المشهد الراهن عن توازن قوى، بات يميل في غير مكان، لمصلحة النظام وحلفائه معززاً خيار الحسم العسكري، يبدو محط استغراب توقيت اتفاق الآستانة الذي أبرمته روسيا وتركيا وإيران، كدول ضامنة للتنفيذ، والقاضي بإقامة أربع مناطق لتخفيف التوتر أو خفض التصعيد في سورية، تشمل مدن وقرى محافظة إدلب وعدداً من البلدات في أرياف اللاذقية وحلب وحماة ومواقع محدودة في الريف الشمالي لمحافظة حمص، إلى جانب الغوطة الشرقية وبلدات في محافظتي درعا والقنيطرة.

لا يخطئ من يرى في الجديد الروسي خطوة استباقية تتحسب من سياسة أميركية نشطة في سورية، وكمحاولة للالتفاف على فكرة المناطق الآمنة التي بدأت تأخذ زخماً جدياً بعد ترحيب إدارة البيت الأبيض الجديدة بها، وبعد الضربة التي وجهتها واشنطن لمطار الشعيرات وتعزيز مساندتها لقوات سورية الديموقراطية، ثم تطوير حضورها في دير الزور والجنوب السوري ومناوراتها العسكرية الأخيرة عند الحدود الأردنية، في رهان من جانب الكرملين على إغراء الغرب بأن تخمد مناطق خفض التوتر موجات النزوح، وتشكل ملاذاً للاجئين يلجم اندفاعهم نحو البلدان الأوروبية، ما يؤخر اللجوء إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار بتشكيل مناطق آمنة وحظر جوي، بخاصة أن مناطق خفض التوتر لا تقتضي موافقة أممية، ولا تستدعي تعطيل فاعلية سلاح الجو الروسي، ويمكن الاستناد إليها لتحسين صورة موسكو عالمياً ومحاصرة تنامي دور المعارضة الروسية الرافضة لسياسة بوتين الخارجية وما استدعته من عقوبات اقتصادية مؤلمة.

ويصيب من ينظر إلى الأمر كفرصة لتمكين الكرملين من احتواء الطرفين الإقليميين الأكثر تأثيراً في الصراع السوري، وهما تركيا وإيران، حيث يلبي الاتفاق رغبة أنقرة في المشاركة بالحل السياسي وتوسيع نفوذها عربياً، والأهم حاجتها الأمنية لعزل الأكراد السوريين عسكرياً، ما يفسر مسارعة قيادة pyd لرفضه على أنه يمهد لتقسيم سورية، كذا، وزاد حماس أنقرة لتبني الاتفاق استمرار تحفظ واشنطن على مشاركتها في معارك الرقة، وما أشيع عن تسليحها لقوات سورية الديموقراطية، بينما تبدو طهران مكرهة على الاحتماء بالحليف الروسي وتنفيذ أجندته السورية في ظل تصاعد هجوم البيت الأبيض على دورها في المنطقة، فكيف الحال إن ساهم الاتفاق بتبييض صفحتها الدموية وجعلها جزءاً من الحل، وغض النظر عن حضور الميليشيا التابعة لها في ميادين القتال.

وأيضاً لا يجانب الصواب من يدرج الاتفاق في سياق مراعاة هواجس إسرائيل الأمنية، كونه يتضمن خفض التوتر في مناطق تهمها على الشريط الحدودي مع مدينتي درعا والقنيطرة، ويفسح في المجال لتفاهمات مع موسكو، تضمن أمن تل أبيب وسلامة حدودها، وتجهض احتمال شن حرب تكتيكية ضدها من الجولان المحتل من دون إغلاق الأجواء السورية أمام طائراتها كي تقوم بما تراه مناسباً ضد قوات النظام و «حزب الله».

وأخيراً لا يخطئ من ينظر إلى الأمر من قناة حذر موسكو من الغرق في المستنقع السوري، متوسلة تخفيف حضورها العسكري إلى أدنى درجاته والالتفات نحو تعزيز فرص هيمنتها السياسية البعيدة المدى، يحدوها استثمار الاتفاق لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد.

أولاً، الإفادة من أجواء التهدئة والأمان النسبيين اللذين يرافقا تنفيذه لتثبيت الوقائع العسكرية التي أنجزت، ووضع الرؤية الروسية لمعالجة الصراع على نار حامية، والعمل، بحجة الحفاظ على الدولة، ليس فقط لتشجيع التعاطي مع سلطة عزلها عنفها الدموي المفرط، وإنما لتمكينها أيضاً، بدليل حرص روسيا على استثناء المواقع التي تهدد النظام أمنياً في محيط العاصمة والمدن الحيوية، تحسباً من فرص انتعاش العمل العسكري فيها إن حصلت تطورات غير محمودة، من دون أن تعبأ إن أفضى ذلك إلى تثبيت مشهد تقسيم البلاد أو تقاسمها بين السلطة والمعارضة، حتى لو ادعت أنه عابر وموقت وثمن يتوجب دفعه لنجاح وقف إطلاق نار مستدام.

ثانياً، الرهان على أن يسهم اشتراط الاتفاق أولوية مكافحة الإرهاب ومواجهة «داعش» وهيئة تحرير الشام، في زرع البلبلة بمناطق المعارضة، وخلق شروخ سياسية أكثر حدة في أوساطها مؤججاً بين فصائلها المزيد من المعارك البينية، من دون أن نغفل دور التهدئة وعودة الحياة الطبيعية في كشف الحالة البائسة التي يعيشها البشر في مناطق سيطرة معارضة عجزت، وطيلة سنوات، عن إدارتها سلمياً، ما يفتح الباب موضوعياً لربط الخيارات التنموية والإدارية لتلك المناطق بعجلة النظام المتحكم بحاجاتها وخدماتها، ويزيد الطين بلة، ويثقل حجم التحديات في مدينة إدلب وأريافها، استمرار اختيارها كملاذ رئيس لترحيل المقاتلين وتهجير أسرهم.

ثالثاً، الإفادة من الاتفاق كغطاء لتمرير بعض الأعمال العسكرية التي تساعد الكرملين لإعادة تشكيل المشهد، وهو أمر هين ومجدٍ الاستقواء بذريعة مواجهة «داعش»، أو محاربة هيئة تحرير الشام التي تتداخل مواقعها مع مواقع مختلف فصائل المعارضة المسلحة، كي تسوغ موسكو وحليفاها، النظام السوري وإيران، خروقاتهم للاتفاق، ويمدوا سيطرتهم على قطاعات من مناطق شملها الاتفاق.

وبين نظام خانع لا يمكنه تخطي مشيئة الكرملين، ومعارضة لا بد أن تنصاع لتصريح أردوغان بأن الاتفاق فرصة تاريخية لإنهاء الحرب، يحضر السؤال: هل تتمكن موسكو عبر مناطق خفض التوتر من تعزيز تحكمها بالملف السوري، أم قد تخترق المشهد معطيات جديدة، أهمها نهج لواشنطن يسعى إلى تغيير قواعد التعاطي مع الصراع السوري، متوسلاً الضغط الجدي والحازم لوقف العنف ودفع مسار الحل السياسي، وربما تطوير نوع من المشاركة الأميركية الفعالة فيه، ممهداً لرعاية أممية جدية لمعالجة هذه المحنة المؤلمة، تلغي التفرد الروسي في تقرير مصير البلاد!

 

 

* كاتب سوري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available