|   

النسخة: الورقية - سعودي

< السياسي الناجح ليس كذاباً، لكن من يصدقه مغفل بالتأكيد! هذا هو الحال مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، السياسي الذكي، الذي استطاع التغلب على السلطة العسكرية التي تحكمت في مفاصل الدولة التركية منذ سقوط دولة بني عثمان، وحتى محاولة الانقلاب التي حدثت العام الماضي. للتاريخ، وإيماناً مني بالقدرات غير العادية للداهية أردوغان، كتبت في حسابي على «تويتر» لحظة سماعي الخبر، ما نصه: «الخلافة، السلطنة، الحكم المطلق، كانت حلماً في ظل دولة وجنرالات، حانت ساعة تحقيقها بانقلاب»! في الواقع، لم يخيب الرجل الملهِم والمفوه ثقتي الكبيرة به، فما هي إلا سويعات معدودات، عاد بعدها أردوغان إلى حضن الزعامة، معشوقته، ليتربع على عرشها لا ينازعه فيها أحد.

في 30 يناير من العام 2009 ومن مطار أتاتورك الدولي في إسطنبول، عند عودته من دافوس، بعد أن انسحب من جلسة حول الوضع في غزة عقب مشادة مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، واحتجاجاً على المنظمين الذين أتاحوا الفرصة لبيريز كي يتحدث ضعف المدة التي أتيحت له، قال أردوغان لحشود مستقبليه: «لست رئيس قبيلة حتى يقاطعني بيريز ويتعامل معي منظمو الجلسة بهذا الشكل، أنا رئيس وزراء جمهورية تركيا»، وأكد أن عليه واجب «حماية كرامة الجمهورية التركية والدفاع عنها»، وذكر أنه انسحب عندما لم يمنحه مدير الجلسة دقيقة كان طلبها للرد. كانت منصة دافوس المنعطف الأهم في حياة أردوغان داخلياً، وفي عالمنا العربي أيضاً، ليغدو في ما بعد رمزاً تتعلق به أفئدة «الغلابا». ومما لا شك فيه، أن انتماءه التنظيمي لحزب إسلامي ساهم في صناعة نجوميته التي انطلقت كالصاروخ، وسواء أكان أردوغان إخوانياً «خالصاً»، أم فرض تلاقي المصالح هذا التبني المتبادل بين شريكي اليوم، فإن بروباغاندا جماعة الإخوان المسلمين استطاعت استغلال حجر انسحابه لتضرب به عصفورين، الأول تسليط الضوء على الرجل ذي الانتماء الإسلاموي، بوصفه المخلّص المنتظر، وخصوصاً أن خصمه في الجلسة بيريز، أما العصفور الآخر فكان تخوين النظام المصري والعربي على حد سواء، من خلال تصوير انسحاب أردوغان بأنه ليس سوى احتجاج على الممارسات الإسرائيلية، فيما ممثل العرب، رئيس الجامعة العربية آنذاك، وعضو الحزب الوطني الحاكم في مصر ساعتها، عمرو موسى، لم ينسحب، والحقيقة أن موسى لم يقاطعه أحد، أو «يهمشه» منظم!

أردوغان، الذي استوعب أن تركيا لا مكان لها في أوروبا، يمّم وجهه شطر الجنوب، مردداً على ما يبدو المثل المصري الشهير، ذا الطابع الميكافيلي: «اللي تغلب به إلعب به». ولأن الإسلام هو الحل، بحسب الأيقونة الإخوانية الأشهر، فقد ارتدى عباءة التدين البراقة فوق بذلته العلمانية «الناعمة»، وها هو يسمح لحزب الإخوان المسلمين المصنف إرهابياً في عدد من دول الخليج ومصر، بأن يسرح ويمرح في الداخل التركي، ويخوّن من شاء، متى شاء، فيما يخوض سيادة الرئيس معركته السياسية «الخاصة» ضد ألمانيا والنمسا، لأنهما سمحتا لحزب العمل الكردستاني - الذي تعدّه تركيا إرهابياً- بالنشاط السياسي على أراضيهما! وفي طريقه نحو الإمساك التام بخطام السلطة، ينشط اليوم «ثعلب» السياسة التركية في حملة الترويج للتصويت بنعم، في الاستفتاء الشعبي بشأن التحول من النظام البرلماني إلى الرئاسي في تركيا، المقرر الشهر القادم، وفي الطريق إلى ذلك، صعّد أردوغان لهجة العداء ضد الأوروبيين، مستغلاً منع هولندا متحدثين حكوميين أتراك من الترويج للاستفتاء على أرضها، فتقلد تميمة الحظ التي ينتصر بها دائماً، محاولاً إقناع الجميع بأن ذلك المنع ليس سوى عداء للإسلام! هذا التصعيد غير المبرر، وإن خدم أردوغان في طموحه السلطوي، إلا أنه يضرب عرض الحائط بكل الآثار السلبية المترتبة عليه ضد المسلمين هناك في الواقع.

يمكن القول في الختام، أن ثمة ما يشبه التحالف «الصامت» بين اليمين المتطرف من جهة، وأردوغان من جهة أخرى، وخصوصاً مع تصاعد ميل الأوروبيين نحو اليمين! ولسائل أن يسأل: ما الفرق بين الجماعات الإسلاموية المتطرفة، التي يتم استغلالها استخباراتياً بالعمليات الإرهابية، بهدف تحقيق بعض المصالح النوعية لبعض الدول في العالم، وبين ما يقوم به أردوغان، عندما يرفع نبرة العداء «باسم الإسلام» ضد أوروبا، ثم يحقق لليمينيين أهدافهم التي تبرر للناخب الأوروبي التصويت لمصلحتهم؟!

 

F-ALASSAF@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة