|   

النسخة: الورقية - سعودي

الشعور بالانتماء هو شعور فطري في الإنسان، يتعرف عليه منذ ولادته من خلال أسرته الصغيرة، فيتعلم الانتماء لوالديه أولاً، ومن ثم المحيط الذي يعيش فيه. الانتماء هو الارتباط بشيء معيّن أو التمسك به، سواء أكان وجدانياً أم واقعياً، يضفي على الفرد الشعور بالتوازن النفسي والمعنوي، وأيضاً يعتبر مصدر قوة له.

هناك انتماء وطني وفكري وعائلي وسياسي وديني وفلسفي، يبدأ يتعرف عليه الفرد في مراحل حياته، ثم يبحث عمّا يشبعه داخلياً بحسب اعتقاداته الداخلية.

لا يستطيع الفرد أن يعيش في معزل عن الشعور بالانتماء، حتى لو كان منعزلاً وبعيداً عن مخالطة الآخرين، يظل في داخله انتماء لشيء معيّن حتى لو كان بعيداً عنه. مثال الانتماء لفلسفة معينة يؤمن بها، هذا الشعور يشبع رغباته الداخلية، ومن ضمنها الانتماء وشعور الأمان أو القاعدة التي يستند عليها، ويسمى اعتقاداً فكرياً يتبع آيديولوجية معينة.

طبيعة الإنسان كائن اجتماعي يحب المخالطة والمعايشة مع الآخرين، لذا، ظهرت العديد من صور الجماعات، سواء أكانت جماعة القبيلة أم جماعة الأصدقاء أم جماعة الزملاء أم جماعة الفكر الواحد أم جماعة السياسة، وخلف كل ذلك أيضاً إيجاد هويته الذاتية، ومحاولة التعرف على نفسه من خلال هذه الجماعات، فتارة تغلب جماعة على أخرى، كما نلاحظ أن جماعة القبيلة كانت هي المسيطرة، إلا أنها خفت الآن في عصرنا الحالي، وإن وجدت فهي ليست كالسابق مسيطرة على الفرد، بل نجد أن بعض الأفراد استقلوا تماماً عنها وبحثوا عن بديل يواكب ميولهم أو توجهاتهم أو اعتقاداتهم الجديدة، وهذا ليس قصوراً فيهم بقدر ما هو بحث الإنسان عن هويته من دون سيطرة أي جماعة عليه. نعم هو لا بد أن يشعر بالانتماء لشيء معين، فهذا طبعه الاجتماعي وفطرته، لكن أيضاً الإنسان يمتلك حب الحرية التي تعطيه أيضاً متنفساً، يظهر من خلاله ما يريد، ويرسم صورته وطريقة حياته كما يريد، لكن تظل في داخله الحاجة إلى شعور بالانتماء.

عدم الشعور بالانتماء سواء أكان وطناً أم فكراً، يجعل الفرد يشعر بالغربة. لذا، نجد بعض الأفراد الذين لا يشعرون بالانتماء لوطنهم يشعرون بالغربة وكأنهم غرباء في وسط وطنهم، وهذا يجعلهم لا يشعرون بالأمان أو الاستقرار النفسي، مما يصنع مشكلات عدة في ذواتهم، أو تخلق العدوانية، أو تصنع الانعزالية، بل إن بعضهم يفضل الهجرة إلى بلد آخر، وخصوصاً إذا تواكب مع فكره أو ميوله أو احتياجاته، ونقيس على ذلك الانتماء لمجموعة الأصدقاء، فالفرد بطبعه يحب أن يعيش مع أصدقائه، يبادلهم الشعور والفكر والتعايش والفرح والحزن، بل أحياناً جماعة الأصدقاء تتعدى على جماعة العائلة، وللأسف هناك من انصدم أو انخذل من الأصدقاء فأخذ موقفاً وابتعد عنهم، وعمم تجربة واحدة سيئة على الآخرين، وهذا له الأثر السلبي عليه، لأنه لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الرفقة، والرفقة ليست بكثرة العدد ربما صديق واحد يكفي.

هذا يوضح لنا أهمية الشعور بالانتماء، فهو مصدر قوة للفرد وإحساس بالمسؤولية تجاه هذه الجماعة، والجيد عندما يوازن الفرد بين الرغبات والاحتياجات بينه والجماعة أو الفكر، لكي لا يصنع الازدواجية أو الصراع في الشعور الداخلي له.

لذا، أحياناً يجد نفسه مختلفاً مع جماعة الأصدقاء بعوامل عدة، لكنه مشترك معهم بنقاط أخرى، لكن الأساس هو شعوره بالانتماء لهم على الاختلاف القائم، فليس كل اختلاف يجعل الفرد لا يشعر بالانتماء، وهنا نأتي إلى نقطة مهمة جداً، كيف يصنع الفرد التوازن بين ما يؤمن به وبين ما يفرض عليه، أو احترام الآراء المختلفة وقبول الرأي الآخر؟ وهذا لا يعني الانصياع الكامل لأي جماعة. ما يسعى له الفرد دائماً هو الشعور الداخلي، الذي يزوده بشعور الاحتواء والأمان والقوة، هذا الانتماء عميق جداً، فهو أحد المحركات الأساسية في استقراره النفسي والمعنوي، من خلال ذلك يبدع الإنسان وينتج ويتفاعل مع المحيط الذي يعيش فيه.

 

 

Haifasafouq@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة