|   

النسخة: الورقية - سعودي

< أتذكر ما قاله الإعلامي داود الشريان في أحد البرامج التلفزيونية عن مسيرة طفولته، عندما تحدث عن «اليتم» وافتقاد الأب، وشجاعة الأم في تربيته عندما أخفق في أحد المواد ورسب، وكيف واجهته والدته في ذلك وكأنني أسمع صوت بكائها الآن، وأتذكر أيضاً حديثه في إحدى المناسبات عندما شاهد كل أبٍ يحتضن ابنه أثناء العشاء إلا داود لم يجد مكاناً، ولم يحظَ بحضن والده تلك الليلة بسبب وفاته.

هذه المواقف، أو سرد أحداثها، تزودنا بقوة الإنسان وصموده عندما يحسن اختيار «الجانب المضيء» في الحياة، ويجعلنا نتعرف على قوة الإنسان في إثبات نفسه وحضوره وقدرته على التعلم، وأن يجعل له بصمة قوية في مجتمعه، ومثالنا اليوم هو داود الشريان.

أما في مجاله الإعلامي الذي تنقل فيه إلى مراحل عدة في حياته من الصحافة والكتابة إلى العالم المرئي والمشاهد، وجميعها لها الخاصية نفسها في القدرة على الإنتاج والبصمة الإيجابية المثمرة، وهذا يجعلنا أيضاً نتأمل مراحل الوعي والنضج والمعرفة في الترقّي في سلم الحياة التي تزود الآخرين بكل ما تملك من ثمر، وكان أيضاً داود مثالاً على ذلك.

برنامج «الثامنة» قطع نحو خمس سنوات بصورة رائعة وعميقة في محاكاة قضايا الناس وإظهار معاناتهم للعلن، وتوضيح حاجاتهم، وتوصيل كل ما يرغبون، أو يعانون، للجهات المسؤولة. وداود الشريان كان النموذج الرائع والشجاع الذي لا يهاب في الحق لومة لائم، لكي تعود الحقوق لأصحابها.

لا يخفى على أحد كيف هوجم برنامجه من بعض الذين حاولوا الاصطياد في الماء العكر، بحيث قالوا إن برنامجه نشر فضائح الناس من دون أن يوجد حلول، وغيب عنهم حقيقة الإعلام الهادف ودوره ومسؤوليته في إظهار الحقائق وتسليط الأضواء عليها، أما التنفيذ والحلول فهذه من اختصاص الجهات المسؤولة، وكما أن دور الإعلام هو تسليط الضوء على القضايا، أو الظواهر المجتمعية، فإنه يعتبر الحلقة الوسط بين الناس والمسؤولين.

داود الشريان نجح في دور الإعلامي المخلص والأسد الذي لا يرتاح حتى يتقن عمله، وكما يعطي دروساً لنا ككتاب وإعلاميين أن نتحرى الصدق بكلماتنا، أو تسليط الضوء على بعض قضايانا بأمانه وإخلاص وحس المسؤولية، المسؤولية هي المحرك الأساس في رقي الشعوب ونضجها وتطورها، وجميعنا يعرف دور الإعلام في توصيل صوت الناس، أو تسليط الضوء في قضايا المجتمع، أو في تحريك التفاعل بسرعة أكثر لقضية ما.

لذا، فإن دور الأعلام مهم جداً ومسؤولية على كل من دخل فيه، سواء أكان في الإعلام المرئي أم المكتوب أم المسموع، وعليه يتوجب القدرة على الأداء والحاجة إلى التدريب الجيد في ممارسة الأعلام، والأكيد الصدقية في التعاطي معه لما له من أهمية كبيرة ومسؤولية مهمة أيضاً. وكما أن هناك أسماء إعلامية عالمية برزت لما قامت من دور عميق في قضايا تمس هموم الناس وإبراز حاجاتهم، أو تثقيف الآخرين بمعلومات تخص ذواتهم وحياتهم، ففتحت سلسلة من الحوار والمناقشات المتبادلة بين الإعلامي والجمهور، وجعلت الكل يسمع صوته، وبخاصة المسؤولين، ومن بيدهم القرارات والحلول، من ضمن هؤلاء اللذين برزوا إعلامياً وتخطت المأساة والظروف الصعبة والفقر وكانت أداة فعّالة واستفادت من خبرتها وإنسانيتها وحرصها وشعورها بالمسؤولية تجاه الآخرين الإعلامية الأميركية أوبرا وينفري، التي حولت ظروفها الصعبة إلى قصة نجاح، وشاركت الآخرين ذلك من طريق الإعلام، وهنا نشاهد كيفية توظيف الإعلام حقيقة لخدمة الآخرين وتفعيل دوره لكي يبتعد عن السطحية والعرض والشهرة فقط.

الإعلام عموماً يعتمد على رباعية مهمة (الصدق، وحس المسؤولية، والتدريب الجيد، والثقافة والمعرفة العالية)، هنا يتم تفعيل دور الإعلام أكثر.. والأكيد المساحة المتاحة في حرية التعبير وطرق جميع المواضيع المهمة.

اليوم نشكر داود الشريان على توافر هذه الأدوات، من حس المسؤولية، والصدق في المعلومة، والثقافة العالية، التي اكتسبها من حياته الشخصية أولاً، ومن المعرفة والتجربة ثانياً، فهو ليس إعلامياً، بل أنموذجاً لإنسان ناجح، فنحن لا نشاهده إعلامياً، بل إنساناً عميق التجربة، جريء الطرح.

 

 

Haifasafouq@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة