|   

النسخة: الورقية - سعودي

للحب شعور جاذب يتسارع كقطرات الندى، ما أن يشع في مكان حتى يضيء على كل من حوله طمأنينة وسكوناً يفهمه الطفل بغريزته الفطرية، فيبدأ يلتمس هذا الحب من والدته منذ نعومة أظفاره، ويدركه الأصدقاء المقربون ويشعرون بتدفقه حين السؤال، وتجده في قلوب العاشقين ينمو ويزدهر حينما تلتقي الأرواح، وتجده في العمل عندما تشعر بمسؤوليتك ودورك الرئيس في نجاح العمل، وأنك إنسان تضيف الشيء الكثير، فلست نكره أبداً.

الحب معنى عميق جداً، ليس مهم مع من وكيف ومتى، هو فطرة الإنسان الموجودة أساساً فيه، وإن اختفى وتجاهله بعضنا؛ ففي زحمة الحياة لا بد أن يظهر، فالحب لا يتطلب الجهد، وإنما يتطلب نفساً زكية خلوقة تتقبل كل شيء برضا، ليس بالضرورة أن تكون مثله أو تمتلك شيئاً مميزاً أو أن تخالط شيئاً معيناً، فلسفة الحب صافية كنبع فياض بالمعاني الإنسانية، يشعرك بحال من الطيران والسمو والرفعة، ومهما اعترضك من الظروف أو مواقف الحياة؛ فإنك تظل شاكراً حامداً قوياً صابراً.

عندما نتعمق في بيوتنا وأسرنا الصغيرة؛ هل هي فعلاً تقوم على الحب اللامشروط؟ هل فعلاً نحن سعداء مع كل من حولنا؟ هل عبّرنا عن هذا الشعور الجميل بالقول أو بالفعل، أم نحن نخجل من أن نعبر مثلاً لأبنائنا كم نحن نحبهم ونرغب في احتضانهم؟ قبل سنوات دار نقاش عميق، مفاده بأننا عندما يكبر أبناؤنا لا نحتضنهم، وكأننا نخجل من ذلك، فما الذي حجب هذا الشعور من أن يظهر ببساطة وجمال؟!

بعضنا عندما تحدّثه عن الحب فإنه يعتبره من الكماليات وليس من الضروريات في الحياة، أو يتحدث أنه فعلاً يحب، لكن أفعاله هي من تتحدث. نعم، صحيح أن الحب أفعال، وهو أقوال أيضاً، ولا بد أن يكون شعوراً يصل، نُشعر به من نحب وأن تفيض كلماتنا حباً وحناناً تترجم وتصل إلى كل من نحب، فهو ليس ضعفاً كما يعتقد بعضهم، وليس نقصاً في شخصيتنا أو مكانتنا الإنسانية، بل هو صلة قلبية جميلة مع من نحب (أبناء أو عائلة أو أصدقاء أو زملاء)، فالحياة رحبة وجميلة وقصيرة، لنكتم هذا الشعور العميق، الذي من خلاله تتفتح أبواب الأمل، وتزدهر عقولنا وقلوبنا بكل ما وهبنا الله في هذا الكون الشاسع الجميل.

لكي نصل إلى هذا التعبير في مشاعر الحب لكل من حولنا لا بد أن يبدأ الحب من داخلنا، فمن لا يحب نفسه فلن يستطيع أن يحب العالم كله، محبة الذات عميقة جداً وليست أنانية كما يعتقدها البعض، حب الذات هو جوهر كل عمل نقوم به، لأننا نقوم به ونحن في حال سريان وطاقة عالية من الحب لذواتنا التي تغذي فينا قوة العطاء للعمل للأهل للأصدقاء.

حب الذات يجعلنا نتقبل هذه النفس بضعفها وقوتها، وأن نبحث عما يغذي هذا الداخل ويزيد تقديرها وإسعادها، والسعادة هنا داخلية، رضا وتسامح تام معها، عندما نصل إلى هذا الحب والاحترام لذواتنا نبدأ مشاهدة العالم برؤية جديدة خالية من الخوف أو الغضب، بل سنكون مراعين كل مختلف عنا وسنعرف ونتعرف على الطبيعة البشرية في تناقضها وتقلباتها، فلن نغضب أو نكره أحداً، بل سنحترم الكل في توجهاته وقراراته وميوله أيضاً، طالما لم تضرنا أو تتعدى على حقوقنا.

في الحب تكمن الدروس التي تهذب هذه النفس التواقة إلى العلم والمعرفة، الباحثة منذ الأزل عن مصدر السعادة، والسعادة ليست كلمة تنطق، بل شعور داخلي مفعم بالحب والرضا، وأيضاً تمتلك قوة العزيمة بأن تعيش حياة كريمة مبهجة، على رغم أي ظرف تمر به، لأن طاقة الحب قوية جداً تجعلك متأملاً متأنياً صابراً شجاعاً، لأنك تخلصت من السلبيات والمؤامرات النفسية، كالقلق والشعور بالاضطهاد، لأنك فعلاً تعرفت على ذاتك الداخلية التي هي أصل كل شيء في مفهوم الحب والاتحاد، ونقصد الاتحاد مع الذات والتصالح معها، الذي بدوره يجعلنا متحدين مع الآخرين على رغم اختلافاتنا الجوهرية في الحياة، وهذه طبيعة بشرية لن تنتهي، لكن في الحب سنتعلم حسن النيات والصفح والتسامح، ونمارس الاحترام والتقدير لكل فرد يدخل حياتنا أو نشاهده من بعيد، هنا يكون رقي المشاعر والتفكير، هنا يكون التفكير خارج الصندوق القديم، فنحن هنا نكمل ونجمل بعضنا، لا أحد أفضل من أحد.

 

 

Haifasafouq @

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة