|   

النسخة: الورقية - دولي

كيلا يتم اختزال استقالة الأمينة العامة للجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا (إسكوا)، ريما خلف، في إطار الاحتجاج العابر، يتعين التفكير في كيفية تحويل هذا الاحتجاج المدوي إلى قرارات وعقوبات ومحاكمات تطاول التاريخ العنصري لدولة الكيان الصهيوني وجرائمها منذ أكثر من سبعين عاماً.

وسواء تمّ سحب التقرير أم لا. وسواء تنصّل منه الأمين العام للأمم المتحدة، وهذا ما هو متوقع منه، أم لا، فإنّ هذه الوثيقة الأممية الشجاعة تفرض على الضمير الكوني أن يسارع إلى عدم مواصلة دفن رأسه في الرمال، كما ظل يفعل من قبل.

الآن، وهذه حجة دامغة للمتردّدين، أضحت الحقيقة عارية، وصار «الأبارتايد» الذي كان كثيرون في الغرب يستبعدونه، أمراً واقعاً في الدولة التي يروّج قادتها وأصدقاؤهم بأنها «واحة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط».

إن «الجريمة ماثلة» بتعبير خلف على أنّ ممارسات إسرائيل، كما كشف التقرير، وأكد معدوه، موجهة تجاه كل الشعب الفلسطيني، وليس فقط في الأراضي المحتلة منذ 1967، والهدف من هذه الممارسات العنصرية تفتيت الشعب الفلسطيني في مخطط استراتيجي يرمي إلى سيطرة الفئة العرقية اليهودية على الشعب الفلسطيني في شكل عام في الداخل والشتات.

ومن الفظائع التي أسندها التقرير بالبيانات والأدلة ما وصفه بـ «الهندسة الديموغرافية»، المتمثلة في قانون العودة، الذي يمنح اليهود، أياً يكن بلدهم الأصلي في جميع أنحاء العالم، حق دخول إسرائيل والحصول على الجنسية الإسرائيلية، بصرف النظر عما إذا كان بوسعهم تبيان صلات بالأرض، بينما يُحجب عن الفلسطينيين أي حق مماثل، بما في ذلك من في حوزتهم وثائق تثبت وجود منازل عائلاتهم التي تعود إلى أجيال في بلادهم الأصلية التي سطت عليها إسرائيل في غمرة التواطؤات الدولية، وإغماض العيون المستمر عن انتهاكاتها التي ما تزال ماثلة.

ثمة خطوتان أساسيتان يتعيّن على الضمير الكوني أن ينهض من غفوته لمباشرتهما؛ الأولى ملقاة على كاهل الضمير السياسي العربي الذي سيلتئم أبرز قادته في قمة عمّان أواخر الشهر الجاري، حيث عوّلت خلف على الجامعة العربية بأن تعتبر التقرير إحدى الوثائق المرجعية للقمة، ولو تمّ ذلك فقط، فإنّ القمة العربية ستمسح الصورة النمطية القارّة في أذهان العرب والعالم بأنها قمة بروتوكولية لا تقدّم ولا تؤخر!

أما الجهة الثانية، الملقى على كاهلها تفعيل نتائج التقرير الأممي، فهي الدول الثماني عشرة الأعضاء في «الأسكوا»، من أجل تحويله إلى نتائج حقيقية تُنصف الضحية الفلسطينية التي وقع على روحها، طوال أزيد من سبعة عقود، أبشع أشكال التنكيل والاقتلاع من التاريخ والجغرافيا والانتساب الإنساني، فالتقرير، وفق خبراء القانون، يشكل قاعدة تسمح لهذه الدول، لو أرادت، إحالة التحقيق على محكمة الجنائيات الدولية، علماً أنّ إحدى توصيات التقرير أن تقوم الدول بهذه الخطوة.

الفصل العنصري من أخطر الجرائم ضد الإنسانية في القانون الدولي، وثمة معاهدة خاصة لمكافحة جريمتي الفصل العنصري والإبادة الجماعية. والتقرير الذي قاتلت ريما خلف من أجل كشف تفاصيله المرعبة، راعى سائر معايير البحث العلمي النزيه والمتوازن والشفّاف، وأشرف عليه ريتشارد فولك الخبير في القانون الدولي وحقوق الإنسان، المقرر الخاص الأسبق المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وفيرجينيا تيلي الباحثة والأستاذة في العلوم السياسية في جامعة جنوب إلينوي، والخبيرة في دراسة السياسات الإسرائيلية.

وإن شاء المتعاطفون مع خلف وفريقها أن يكرموا هذا العمل «البطولي» فعليهم أن يحوّلوا التقرير إلى أداة ضغط حقيقية بطرق مبتكرة تبتعد من الانفعال العابر، وتعانق لحظة «تاريخية» يصدح فيها صوت الحق، وينصف استغاثات الضحايا!

 

 

* كاتب وأكاديمي أردني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة