|   

النسخة: الورقية - دولي

إذا كان الدورق يمتلئ قطرة قطرة، كما قال بوذا، فإنّ المرء مدفوع إلى التعويل على أمل ما قد ينبثق من حراك النساء الإيرانيات باتجاه التخفّف من القيود التي تحدّ من حريتهن في اللباس والتعبير وبلورة الذات المستقلة.

وتشهد مواقع التواصل الاجتماعي زلازل ناعمة آتية من تلك الأرض الواسعة المسيّجة بالخوف والأوهام وسيطرة الملالي التي جعلت النساء في بلد يناهز تعداده الثمانين مليون نسمة، مجرد عباءات سوداء ثقيلة تغلّف كائنات تدّب على الأرض وتكنس وراءها الشوارع والأرصفة، والأشواق الدفينة بالانعتاق!

والنساء كنّ الفئة الأكثر قمعاً وإذلالاً في البلاد المعوَّقة حضارياً ونفسياً وتاريخياً، إلا أن ذلك على عنفه لا يتعين أن يمنع سنونوات الربيع النسائي من أن تحلّق. وربما تتبع النساءَ الإيرانيات في احتجاجاتهن نساءٌ أخريات في بقاع الله الواسعة التي تئن وراء أبوابها الأصواتُ المخنوقة لنساء حُرمن من فسحة الكينونة والتشكل وإعمار الكون وتأثيث الحياة بالحب والمساواة والكرامة والعيش المشترك، على أن العبارة الأخيرة تضمر عيشاً مشتركاً حصرياً بين الذكور والإناث في المجتمعات المصابة برهاب المرأة.

تستخدم المشاركات في الحملة هشتاغ #الأربعاء الأبيض، وينشرن صوراً ومقاطع فيديو لأنفسهن وهن يرتدين أغطية رأس بيضاء، أو قطعاً بيضاء من الملابس، رمزاً للاحتجاج. وصاحبة الفكرة، كما أفاد تقرير نشرته «بي بي سي» هي معصومة- مسيح علي نجاد، التي كانت أطلقت موقع (حريتي المسلوبة)، على شبكة الإنترنت لمعارضة الزي المفروض على النساء الإيرانيات اللواتي يحرّم عليهن نظامُ الملالي أن يخرجن إلى الشارع وهن يضعن أي مكياج على وجوههن، منذ أن سيطر الإسلاميون على الحكم بعد ثورة الخميني عام 1979.

موقع «حريتي المسلوبة» تلقّى على مدى ثلاث سنوات منذ تدشينه أكثر من 3000 صورة وفيديو تظهر نساء حاسرات الرؤوس، فيما جذبت حملة «الأربعاء الأبيض» أكثر من 200 فيديو في الأسبوعين الأولين، نال بعضها نصف مليون مشاهدة.

ولعلها فرصة متاحة أمام النساء اللائي يعانين العسف والتكميم وغياب الإرادة أن ينخرطن في هذه الحملة التي لا تقتصر على إيران وحسب، من أجل إعلاء صوت النساء، واستثمار الفضاء المفتوح الذي تتيحه الثورة المعلو-اتــصالية، واتساع حيز مواقع «السوشال ميديا»، كي تكتب المرأة سيرتها، وتحطّم قيودها وتعلن فجراً جديداً قد يصوّب المسار العام لحركة التاريخ في البلاد التي عصفت بها الثيوقراطية، وهيمنت على مقدّراتها سلطة رجال الدين والنصوص التي أُجبرت، تحت تهديد سلاح التأويل المتعسّف، على حمل صفة القداسة العابرة للأزمان، فابتلي الوعي بالهستيريا.

ليس شططاً أن نحلم، الشطط كلُّ الشطط، أن نغمض عيوننا فزعين أمام قطار الجنون، ونتركه يهرسنا تحت عجلاته من دون أن نُبدي حراكاً أو اعتراضاً أو تلويحاً بإشارة غاضبة. وهذا ما يعزّز بذور الأمل في حركة النساء الناهضات من أجل أن يحظى العالم بعدالة ما ولو تدريجية تتجه نحو إنصاف النساء اللائي اعتبرهن الشاعر الفرنسي أراغون «مستقبل العالم».

ليس المقصود بثورة النساء قلبَ الطاولة على السلطات الدينية والاجتماعية والذكورية، فهذا ليس الاستحقاق العاجل لحراكهن، وإنما أن يصرخن بملء حناجرهن في وجه تكميم الأفواه واعتقال الإرادة، ومنع مركب التاريخ من أن يسير على النحو الطبيعي: بمجذافين متكافئين يوفّران اندفاعاً للحركة ويجابهان العواصف بإرادة مشتركة متكاتفة.

لا بأس أن نحلم بـ «الأربعاء الأبيض» كمنصة ثورية سلمية حضارية لا تتوخى العنف، ولا تدعو إلى القتل وسفك الدماء، فالحرية المسلوبة يتعين أن تستعاد، كي يستقيم إيقاع الكون، ولا بد أن ينخرط في ملء الدورق الرجالُ قبل النساء، وهذا امتحان عسير للأفكار!

 

 

* كاتب وأكاديمي أردني.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة