|   

النسخة: الورقية - دولي

أشفق على أجهزة الأمن والاستخبارات في العالم، وأشفق أكثر على الضحايا الذين يشهقون أنفاسهم الأخيرة منحورين أو منشطرين أو مدفونين تحت الأنقاض. لقد أضحى العالم جحيماً، وصار الأمن حلماً، ومن المؤلم أن يصبح العيش واستمراره مرهونين بالمصادفة: أنت على قيد الحياة، لأنّ الرصاصة انحرفت في اللحظة الأخيرة عن جمجتك!

كنتُ في القاهرة، وعلى مقربة من منطقة الجيزة حينما وقع هجوم مسلح استهدف حاجزاً أمنياً أعلى كوبري أبو صير جنوب الجيزة، الجمعة. وما أن تتبعت الأنباء عبر مذياع السيارة التي تقلني إلى المطار عائداً إلى عمّان، حتى كان إرهابي يقتحم منتجعات في الغردقة فيقتل بسكين سائحتين ألمانيتين ويجرح أخريات. كان يومَ جمعة ظنناه هادئاً، فتحوّل إلى جحيم. فماذا يفعل رجال الأمن أكثر من أن يفتشوا السيارات بكلابهم البوليسية، ويخضعوا المسافرين وحقائبهم وجيوبهم لتفتيش متكرّر خشية أن يتسلل الموت إلى السماء، كما حدثني متفكّهاً، صديقي الدكتور أحمد، الذي علق في ذهنه سؤال موظفي الأمن في المطار عن مسافر إلى «القصيم» ربما يكون ضل طريقه، فاستقل الطائرة المتوجهة إلى الأردن.

كانت لحظة لا تخلو من رعب لا ينطق. وكان هذا الأمر في الماضي جزءاً من الأفلام، لكنه الآن أمر ممكن في كل لحظة، بعد أن غدت الحياة استوديو مفتوحاً على المصائر الغامضة للبشر.

نفقات الأمن في العالم تستهلك موازنة الدول، واستراتيجيات مكافحة الإرهاب يفكّكها شاب غير معروف الدوافع، يتسلل عبر الماء من منتجع إلى آخر، فينحر هذه، ويطعن تلك، في مشهد سوريالي تتساقط في غضونه أسئلة الأخلاق والدين، فلا يملك الإنسان وهو يرى جثتي السائحتين الألمانيتين، وجراح النساء الأخريات، سوى أن يردد «بأي ذنب قتلت» هذه المرأة التي جاءت تختطف لحظة بهجة في صحبة الشمس والماء، فحصدتها سكين غاشمة تحملها يد مسكونة بالموت والظلام؟!

اللعنة تسكن هنا، في أحشائي، يقول اليائس، وييمّم وجهه شطر الفرائس، وهي كثيرة ولا حصر لها ما دام الفعل مشفوعاً بنداءات دينية، وما دام الوعد جنة وأنهار عسل وحور عين وخلوداً. هذا اليائس تراه في كل حين، وعند كل منعطف في بلاد المسلمين وبلاد الفرنجة على حد سواء، ما يجعل مهمة رجال الأمن عصية على إحاطة الظاهرة الإرهابية وتفكيكها، وما دامت الأزمات السياسية تفتقر للحدود الدنيا من الأخلاق، وتستخدم أوراق الإرهاب من أجل ليّ ذراع هذه الدولة أو تلك، على اعتبار أن المواجهة مفتوحة على مصراعيها لكل ما هو بذيء ودموي ومتوحش.

كان رجال الأمن، وبخاصة العرب، في الماضي منابع لكراهية الدول والأنظمة، لكنها الآن في حيرة لا ضفاف لها. ولعل العقل الأمني مشرقاً ومغرباً يضع مئات السيناريوات للهجمات المحتملة، فيأتي سيناريو غير وارد في القائمة فيقلب الطاولة، ويسيّل الدماء، ويجعل رجال الأمن فاغري الأفواه! وإذا كانت الرهانات على إشاعة العدل والمساوة وتعزيز كرامة الإنسان حلولاً لأزمة الإرهاب والموت المجاني، فقد فعلتها دول أوروبية كرّست تقاليد ديموقراطية رصينة شملت الجميع إلا من ارتضى الخروج من اللعبة، تحت ذرائع مختلفة، بمعنى أنّ الإرهاب لم يعد مرتبطاً على نحو اشتراطيّ بتهدّمات الحاكمية الرشيدة، وصار السائد هو الموت المعولم السريع الخاطف والفردي المستعجل الذي لا يحتاج إلى كثير تخطيط.

لم يعد اليائس من الحياة، والناقم على نظام العيش والحكم، والبائس في مساراته النفسية، يختار الحلول الفردية كالعزلة والعيش فريسة الاكتئاب، أو الشنق وحيداً بحبل مدلى من سقف غرفة مهملة. صار الخلاص مصحوباً بالضجيج، ومحمولاً على «رسالة» مبهمة. إنه انتحار بطعم الأيديولوجيا، وهذا ما يجعلني حزيناً على رجال الأمن!

 

 

* كاتب وأكاديمي أردني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة