|   

النسخة: الورقية - دولي

أن تستعير العلاقة بين بغداد وأربيل مرحلة القطيعة التي سادت في التسعينات، ليس مجرد سيناريو مطروح، بل هو خيار يبدو أن الطرفين سائران بقصد أو من دونه إلى تنفيذه.

نفذ كرد العراق «استفتاءهم» الأول بمعزل عن سلطة بغداد عام 1992 عندما اختاروا في انتخابات «مجلساً وطنياً»، وبالتالي حكومة عملت تحت ظل حماية دولية وفرها مجلس الأمن والولايات المتحدة.

لم تعترف بغداد بذلك الاستفتاء، لكن الكرد كانوا قد رسموا للمرة الأولى ملامح خريطة، بحدود وسلطة مستقلة وعملة نقدية وعلاقات دولية. رفعوا علمهم على بناية مجلس منتخب وبدأت أدبياتهم تتحدث عن الدولة وخياراتها المستقبلية، وحينذاك كانت بغداد معزولة عن العالم، وبعيدة من تركيا وإيران، اللتين قررتا كخيار استراتيجي مد الأذرع إلى هذا الكيان المولود على الحدود والحرص على أن لا يكبر فيلتهمها.

لم تنجح مظلة مجلس الأمن في حماية تلك التجربة من الصراعات الكردية الطاحنة، كما لم تحمها من دبابات الجيش العراقي ومن انقسام وتقسيم النفوذ.

الواقع أن لائحة الأسباب التي قادت إلى استفتاء 25 أيلول (سبتمبر) الماضي طويلة ومعقدة ويتداخل فيها العاطفي بالواقعي، والمصالح بالمطامح، والتهور بالعقلانية.

من زاوية مختلفة، أسست العملية السياسية في العراق عام 2003 بعقد سياسي، وليس اجتماعياً، سمّي «التحالف الشيعي– الكردي»، ثم أعلنت العملية السياسية فشلها بعد سنوات من تقاسم غير نزيه للمكاسب والمصالح والنفوذ، وقادت إلى ولادة خريطة سنية غاضبة وعنيفة ومدمرة اغتنمها «داعش» عام 2014.

لم يُعترف بهذا الفشل ولا بأسباب غرق المركب بالعراقيين عام 2014، ولم يمتلك المتحالفون شجاعة المصارحة العميقة لتحصين البلاد وسكانها عبر عقد اجتماعي جديد، ودستور عادل، وحكم رشيد، بعد نجاحهم بدعم أميركي بدحر «داعش» وإلغاء حدود خريطته.

على وقع أغاني النصر وحماسة احتفالات المنتصرين، قفز السياسيون الشيعة سريعاً إلى المطالبة بـ «حكم الغالبية» تحت شعار «الوفاء لشهداء الحشد الشعبي»، فقفز السياسيون الكرد الى الاستفتاء على الانفصال تحت شعار «الوفاء لشهداء البيشمركة».

وفوراً وجد حكام بغداد أنفسهم يقفون في المكان نفسه الذي وقف فيه صدام حسين يراقب الأكراد يجرون استفتاءهم عام 1992، فاختارت ألاّ تعترف به، وفي الوقت نفسه العمل السريع على استثماره لفك الارتباط بإقليم كردستان والتخلص من كل تبعاته السياسية والاقتصادية عبر إجراءات عُرّفت بأنها «إعادة ارتباط».

رئيس الحكومة حيدر العبادي الذي طرح نفسه مختلفاً وجاداً في إصلاح ما تم تخريبه، كان انتظر طوال أسابيع من التحضيرات للاستفتاء، قبل إعلانه موقفاً... لم يشأ أن يتحول إلى ضحية «القضية الكردية» التي يقع ثقلها الديموغرافي والتاريخي الأكبر على عاتق تركيا وإيران، اللتين ستجبران على المبادرة في النهاية.

كسب العبادي لعبة حافة الهاوية، فهرع أردوغان وقاسم سليماني وماكورغ والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، طوال أيام لمنع رصاصة الاستفتاء من الانطلاق في لحظة كان بارزاني قد ضغط إصبعه على الزناد بالفعل، وفي الغالب لم يكن مشغولاً في تلك اللحظة بإصابة الهدف، فالرصاصة أصبحت هي الهدف!.

وعلى رغم ردود الفعل التركية المتصاعدة، فأردوغان لم يكن يأمل بأن يترك وحده في المواجهة، فاشترط إجراءات ثلاثية، عراقية– إيرانية– تركية، تقود نتائجها النهائية إلى القطيعة بين إقليم كردستان والجسد العراقي، معولاً على أن خبرة تركيا كما إيران تكمن في «إدارة القطيعة» خارج الحدود أكثر من قدرتهما على معالجة القطيعة داخلها. فك الارتباط بين بغداد وأربيل سيضع الإقليم تحت سطوة أنقرة وطهران. وبغياب أميركي على بارزاني أن يقدم تنازلات أكبر لمساعدة أردوغان على تقويض نفوذ حزب العمال الكردستاني حتى لو قاد ذلك إلى خسارته للسليمانية، مقابل عدم المساهمة الفعلية في إجراءات بغداد العقابية كقطع الحدود مع الإقليم وإيقاف تصدير النفط، ويمكن أن تضمن أنقرة التي وقعت عقداً مع أربيل مدته نصف قرن، حلاً لمشكلة نفط كركوك.

إيران لن تنتظر، على رغم دعمها إجراءات الحكومة العراقية حالياً، حتى تستولي تركيا على كل كعكة إقليم كردستان، خصوصاً معاقل نفوذها التقليدية في السليمانية، وستشارك في إدارة الصراع تماماً كما فعلت للسنوات الخمسين الماضية.

لكن، إذا كان الإقليم والمركز قد اختارا بقصد أو من دون قصد العودة إلى ترتيبات علاقة ما قبل 2003، من دون غطاء دولي هذه المرة، فما مصير «الدولة التي صوت عليها أهالي الإقليم؟».

الإجابة ستطرح إشكالية أعمق: فإقليم كردستان كان أساساً في وضع «اللاإقليم- اللادولة» منذ 1991 ولم يتغير الأمر بعد 2003 كثيراً ولا يتوقع أن يتغير بعد الاستفتاء، أما العراق أو ما سيتبقى منه بعد هذه المرحلة، فسيجد نفسه في صميم «اللادولة» رسمياً.

لن تتمكن بغداد إذا اختارت قطع الحبل السري مع الإقليم من إدارة العملية السياسية الحالية، وسيكون عليها إعادة توصيف «الدولة» والعقد الذي سيبرم لتشكيلها من جديد، قبل تنظيم استفتاء ودستور وانتخابات، وتلك مهام قد تستغرق سنوات طويلة، وتغري الفئات والقوى السياسية بإعادة ترتيب أوراقها.

ستنتظر أربيل متغيرات درامية في الشرق الأوسط كتفكك تركيا وإيران، أو تصدع جديد في العراق على غرار دولة سنية على خط حدود «دولة داعش»، وهذا أمر من باب المفارقة سيكون أسهل من تمرير دولة كردستان، فيما ستنتظر بغداد تفكك البيئة التي انتجت الاستفتاء داخل إقليم كردستان، وتعول على المزيد من فصل السليمانية تتبعها كركوك وخانقين عن أربيل ودهوك.

أغلب الظن أن وساطات ستنجح في إعادة الوضع العراقي إلى مسار مرحلة ما قبل الاستفتاء على علاته وأخطاره، كما أن الدول التي تقع على خط الزلازل الديموغرافية ستجد نفسها مضطرة إلى استدعاء «حلف بغداد» من دفاتر التاريخ لتأسيس خريطة جيوسياسية قادرة على مقاومة التصدع.

في المحصلة، أن أطفال العراق في مدارسهم سيستمرون خلال السنوات المقبلة في رسم الخريطة بشكلها الذي رسمه آباؤهم طوال القرن العشرين، وهذا حل رمزي مجرّب يحمي الطبقة السياسية وما تمثله من تهمة التورط بتقسيم البلاد، فيما سيستمر أطفال كردستان برسم خريطتهم أيضاً، وهذا الحل سيمنع تساؤلهم بعد حين عن مآلات صناديق الاستفتاء.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة