|   

النسخة: الورقية - دولي

تعود اللغة العربية لــتـــكون مـــوضــع اهتمام في الإعلام الفرنسي. لا شيء استدعى ذلك. فجأة ظهرت في تحقيق خاص حول «تدريس العربية»، وذلك بعد أيام ربما على تصريح جاك لانغ، الوزير السابق ورئيس معهد العالم العربي الحالي حول ضرورة تدريسها في المدارس الفرنسية. الآن ربما، لأن الفترة الحالية غير حافلة بالأحداث، والنشرات الفرنسية على المحطات العامة والخاصة، أي غير الإخبارية، تهمل أكثر فأكثر الحدث العالمي انتصاراً للمحلي. فهي إما تتجاوز أحداثاً كثيرة، أو تذكر بعضها الآخر بإيجاز مزعج.

إذاً، بغتة احتل التحقيق عن اللغة العربية مكانة مهمة في النشرة المسائية للمحطة الثانية «فرانس 2». يمكن القول أنه كان طائشاً في كلّ الاتجاهات، خلط بين المفاهيم والأهداف كأنه حديث مقاهي ناصية الطريق. جاء مشوشاً في تنقله بين العربية الدارجة والفصحى، بين التدريس العام والخاص، بين تعليم العربية في المدارس الرسمية مع مدرسين فرنسيين أو في الخاصة مع منتدبين. بين تدريس العربية كلغة ثقافة وارتباط بالأصول أو كلغة تدرس كغيرها في المدارس الفرنسية. بين العربية كلغة عالمية للتبادل الثقافي والعربية كلغة جاليات ومهاجرين أو فرنسيين من أصول عربية. بين آراء اليسار واعتراضات اليمين، بين السياسي والتعليمي والديني والعلماني... خلطة مدهشة لم يبق منها غير صور صغار من أصول عربية يدرسون لغة آبائهم بعد إنهاك اليوم الدراسي ويؤكدون مع المسؤولين في المدرسة بالطبع امتناعهم عن الحديث بها في الفرصة كي «لا ينعزلوا» عن أصدقائهم الفرنسيين. وحديث معلمة منتدبة من حكومة مغربية تؤكد بكل ما يمكنها أن تعليم العربية لن يضر على الإطلاق بالعلمانية الفرنسية، لكونها تُدرّس منفصلةً عن الدين. وحاول آباء دفع أي شبهة دينية عن نياتهم بتدريس أطفالهم العربية، فاكتفى بعضهم بالنفي عند السؤال من دون الإدلاء بأي قول مفيد.

صحيح ليس الجميع بقادر على الحديث أمام الكاميرا، ولكن في هذه الحالة يفضل تخصيص الثواني المعدودة لمن يعرف التعبير. بعضهم الآخر أبدى فقط الهدف «الاقتصادي» للتعليم كالعمل يوماً في دبي! أما الأطفال الذين لا يراوغون فحددوا ببساطة هدفهم من دراسة العربية وهو فهم ما يقوله أهلهم أو أقرباء لهم، بخاصة من أجل فهم الشتائم!

لم يقدم التحقيق أي معلومات مفيدة عن تدريس العربية في فرنسا والاختلاف بين العربية كلغة ثقافة وارتباط بالأصول، والعربية كلغة أجنبية مثل غيرها. هكذا، بدا التحقيق كأنه يسعى إلى دحض آراء اليمين، ويلهث لتقديم صك براءة وفك ارتباط بين العربية والدين ولنفي تهمة الانغلاق عن تدريسها. إنه هنا ليبرهن فقط أن العربية علمانية أيضاً، والعرب في فرنسا علمانيون كالفرنسيين تماماً. كان التحقيق سطحياً وموجهاً ودفاعياً إلى درجة قد تؤدي عكس المطلوب!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة