|   

النسخة: الورقية - سعودي

تشهد المدن الإيرانية هذه الأيام احتجاجاتٍ عارمة لم يسبق لها مثيل منذ احتجاجات 2009، أشعل فتيلها متظاهرون أخذوا على عواتقهم النزول إلى شوارع مدينة مشهد، ثاني أكبر المدن الإيرانية؛ احتجاجاً على سياسة الحكومة الإيرانية الداخلية والخارجية، وعدم استجابتها لشواغل المواطنين الإيرانيين، التي يبرز منها ارتفاع نسبة البطالة، إذْ تفيد التقارير بأنها وصلت إلى 12 في المئة، وارتفاع الأسعار، وغير ذلك من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.

اللافت للنظر أن المتظاهرين هذه المرة أرجعوا سبب ما يعانونه من مشكلات وانسداد الأفق الذي يعيشونه، من خلال شعاراتهم وهتافاتهم، إلى انصراف الحكومة الإيرانية إلى وهم تصدير الثورة، والأطماع التوسعية، من خلال التدخل في شؤون الدول الأخرى، أعلنوا ذلك بتعبيراتٍ مختلفة تتفق كلها في أنها تؤدي إلى هذا المعنى، وهذا ما استغله بعض المسؤولين الإيرانيين في اتهام المتظاهرين بمعاداة الثورة!

وكما هو متوقع من نظامٍ وحشي قمعي يقوم على آيديولوجيا عنصرية، قوبلت هذه المظاهرات بمزيد من البطش، إذ لم تتورع قوات الأمن عن استغلال أية وسيلة لقمع المتظاهرين، ما دفعهم إلى الاستنجاد بالجيش لحمايتهم من قوات الأمن! أخشى أن تكون حالهم كحال المستجير من الرمضاء بالنار، يقول محافظ مشهد: «كانت المظاهرات غير قانونية، ومع ذلك تعاملت الشرطة مع المتظاهرين بكثيرٍ من التسامح»، ولكن عدسات الكاميرات، والتقارير الإعلامية، وإفادات المتظاهرين تقول إن قوات الأمن تعاملت بكثيرٍ من الوحشية لا التسامح.

أفادت بعض وسائل الإعلام بأن آلافاً من مؤيدي الحكومة الإيرانية خرجوا في مسيرات حاشدة، والسؤال الذي يثور هنا، كيف يكون خروج مؤيدي الحكومة قانونياً يشار إليه ويستدل به، وخروج المحتجين عليها غير قانوني ويندد به ويحذّر منه؟ يسقط هذا السؤال عندما نستبدل الفعل (خرجوا) بالفعل (أُخرجوا) المبني للمجهول نحواً، وللمعلوم واقعاً!

وعلى رغم لجوء النظام الإيراني إلى وسائل قمعية، كإطلاق النار على المتظاهرين، واعتقالهم، وتهديدهم وترهيبهم، وقطع شبكة الإنترنت، وإغلاق محطات المترو، فإن الاحتجاجات تتسع دائرتها في المدن الإيرانية متحديةً آلة القمع والتخويف، ما يشير إلى أن الشعب الإيراني ضاق ذرعاً بهذا النظام الذي ظل جاثماً على صدره 40 عاماً، وأعاد إيران المتبخترة بتاريخها وحضارتها إلى ما وراء الوراء، ومما يشير إلى ذلك أيضاً تنديد المتظاهرين، من خلال شعاراتهم، بقطبي الحكومة الإيرانية؛ الإصلاحيين والأصوليين. يبدو أن صبر الأربعين عاماً قد نفد!

من الواضح أن النظام الإيراني استشعر خطر هذه المظاهرات، ومما يشير إلى ذلك بثه أخباراً عنها عبر التلفزيون الرسمي، وهذه هي المرة الأولى التي يتطرق فيها التلفزيون الرسمي إلى مظاهرات في إيران، إذ جرت العادة أن يغفل الإعلام الرسمي الإيراني أية تظاهرات أو أي مظهر من مظاهر الاحتجاجات، ليس هذا فحسب، بل أقر التلفزيون الرسمي بضرورة الاستماع إلى المطالب المشروعة.

من المتوقع جداً أن تحدث احتجاجات في إيران، لأن النظام الإيراني، بكل بساطة، يمارس أبشع انتهاكات حقوق الإنسان وأكثرها وحشية ضد الشعب الإيراني في شكلٍ ممنهج (Systematic Violations)، وبشهادة «المنتظم الدولي»، إذ عين مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مقرراً خاصاً معنياً بحالة حقوق الإنسان في إيران منذ 2011 (Special Rapporteur on the situation of human rights in the Islamic Republic of Iran) وما تزال ولايته قائمة، وأحسنت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية هيذر نويرت وصف النظام الإيراني، عندما ذكرت أن القادة الإيرانيين حولوا دولة مزدهرة ذات تاريخ وثقافة غنيَين إلى دولة مارقة تصدّر، أساساً، العنف وسفك الدماء والفوضى.

 

naifmoalla@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة