|   

النسخة: الورقية - دولي

في خطاب له امام الأمم المتحدة عام 2009، رحّب الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز، على طريقته، بباراك اوباما، الرئيس الاميركي المنتخب حديثاً آنذاك، وقال تشافيز وهو يتلفت يميناً ويساراً بحركة مسرحية: «لم نعد نشم رائحة الكبريت كما اعتدنا»، في اشارة الى سروره برحيل سلف اوباما جورج بوش الابن.

بعد نحو اربع سنوات على غياب تشافيز، عادت «رائحة الكبريت» تلف ارجاء قصر ميرافلوريس الرئاسي في كراكاس الذي يشغله اليوم خليفة تشافيز نيكولاس مادورو، ذلك ان المواجهات احتدمت مجدداً في الشوارع بين السلطة وانصار المعارضة اليمينية التي يقودها رجال الاعمال واصحاب المصالح... ومن ورائهم الولايات المتحدة، بعدما انتظر معارضو تشافيز طويلاً ان يصل الى البيت الابيض «حليف» من نوع دونالد ترامب، تعويضاً عن طول صبرهم على ادارة اوباما التي كادت تتجاهلهم بالكامل.

بوصول ترامب، بدا اليمين الفنزويلي وكأنه استعاد انفاسه، وكثف تنظيم مسيرات وتظاهرات لم تخل من مواجهات دموية مع الشرطة، حتى بلغت تحركات المعارضين ذروتها بـ «استفتاء» رمزي على حكم مادورو، واعدين بنقل المعركة الى مستوى «عصيان مدني» واغلاق شوارع، تمهيداً لـ «ساعة الصفر»، أي الزحف على القصر الرئاسي.

يعيد ذلك الى الاذهان اجواء الانقلاب الفاشل على تشافيز في العام 2002 والذي لم يصمد أكثر من 48 ساعة توالى خلالها ثلاثة رؤساء على محاولة الحكم، وانتهى الامر بعودة السلطة تلقائياً الى تشافيز.

غير انه منذ فوز الرئيس اليساري بالرئاسة للمرة الاولى عام 1999، حتى وفاته في 2013 ومن ثم تولي مادورو المهمة بعد انتخابه خلفاً له، دأبت المعارضة اليمينية في فنزويلا على التذرع بتردي الاوضاع الاقتصادية والمعيشية، وفي هذه الذريعة كمّ كبير من النفاق، ذلك ان البلاد الغنية بالنفط والحديد والذهب والالومنيوم، لطالما امتلكت طبقة من المهمشين شكلت غالبية 80 في المئة من السكان، قبل وصول تشافيز الى السلطة باصوات ابنائها، ليعمل بعدها على محاولة اصلاح الوضع واعادة توزيع الثروة، اذ بلغ دخل البلاد من النفط وحده 850 مليون دولار في الشهر، ما جعل فنزويلا تمتلك نصيباً مفترضاً للفرد من الناتج القومي الاجمالي هو الاعلى في اميركا اللاتينية.

شكل ذلك تناقضاً بين ما تختزنه البلاد من ثروة وما يعيشه الشعب من فقر، تناقض ينم عن قدر كبير من الظلم لا ينسب الى ممارسات حكم تشافيز الحديث العهد نسبياً بل يعزى الى فساد الطبقة السياسية ورجال الاعمال والمتمولين، وبمعنى آخر، هو نتاج اولئك الذين يبشرون بـ «ربيع في كراكاس» يطيح خليفة تشافيز ورموز حكمه.

والحقيقة ان تصنيف مادورو على انه خليفة لتشافيز لا يفي الرئيس الحالي حقه، فهو مناضل كان له الفضل في وصول الرئيس الراحل الى السلطة والدفع قدماً باصلاحات جذرية، حتى انه اراد ان يدق المسمار الاخير في نعش الطبقة السياسية اياها، بتشكيل واقع سياسي جديد في البلاد بموجب خطة ستخرجه بلا شك من عباءة تشافيز اذا قدر لها النجاح وتحسب عليه انه اسس لمرحلة جديدة في الحكم.

والخطة التي اثارت المعارضة هي دعوة مادورو الى انتخابات لكن مع فرض شروط مميزة على المرشحين تضمن حيادهم، وذلك بهدف تكوين جمعية تأسيسية من ناشطين اجتماعيين غير حزبيين، في خطوة تشبه الى حد بعيد الحركة التي اطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وأقصى بموجبها الطبقة السياسية التقليدية المتهمة بالفساد. فهل ينجح مادورو بذلك، او يحرق الكبريت الأخضر واليابس في كراكاس؟

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available