|   

النسخة: الورقية - دولي

ينوي الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحقيق استقلال الولايات المتحدة عن «أوبك»، وفق ملخص خطة الطاقة التي يزمع تنفيذها خلال السنوات الأربع المقبلة. واللافت أن خطته للطاقة كانت أول ما نُشِر على موقع البيت الأبيض بعد تسلمه مقاليد الحكم يوم الجمعة 20 كانون الثاني (يناير).

ليس مستغرباً أن يطالب ترامب باستقلال بلاده عن «أوبك»، فهذا شعار شعبوي طالما تردد في الولايات المتحدة منذ سبعينات القرن العشرين. وتغيّرت صناعة النفط الأميركية والعالمية منذئذ، إذ لا تشــكل صادرات «أوبك» إلى الولايات المتحدة سوى نسبة ضئيلة جداً من مجمل الواردات النفطية الأميركية. والأهم أن الولايات المتحدة أصبحت مكتفية ذاتياً بمواردها النــفطية، بل هي دولة مصدّرة للنفط والغاز حالياً.

والدولتان الأكبر تصديراً للنفط إلى الولايات المتحدة هما الجارتان كندا والمكسيك، فهما تزوّدان الولايات المتحدة بأنواع معينة من النفط الخام (خصوصاً الثقيل) الذي تحتاجه مصافيها. لذلك فاستخدام فزاعة «أوبك» من ضمن قرار استراتيجي لإعلان استقلال الولايات المتحدة عن «أوبك» هو خطوة شعبوية أكثر منه تصوراً لخطة للطاقة.

يزمع ترامب تغيير كثير من الأنظمة والسياسات الداخلية السابقة في مجال الطاقة، فهو ينوي تقليص النظم ذات العلاقة بقوانين البيئة والتغيُّر المناخي وتهميشها من جهة، وإطلاق العنان للشركات للاستكشاف والإنتاج في المياه الإقليمية، الأمر الذي كان إما محدوداً جداً أو ممنوعاً حتى الآن. وحتى إذا استطاع تخطي المعارضة الداخلية التي سيواجهها إذا مضى قدماً بهذه الإجراءات، سيكون تأثيرها محدوداً خلال الفترة القريبة المقبلة.

يُتوقَّع أن تواجه محاولة تغيير الأنظمة الداخلية موجة من المعارضة لدى أعضاء الكونغرس وحكّام الولايات الديموقراطيين ناهيك عن منظمات المجتمع المدني. ويُرجَّح أن تبقى هذه الاحتجاجات داخلية في مجملها، باستثناء محاولات تهميش الأنظمة المتعلّقة بالتغيير المناخي، فهناك اتفاقات دولية التزمتها الولايات المتحدة بعد محادثات دامت سنوات، وشرّع الكونغرس قوانين ذات صلة، لذلك لا يمكن إلغاءها بقرار رئاسي، كما حصل مع قرارات منع السفر لمواطني دول ذات غالبية مسلمة.

والمحور الثاني في خطة الطاقة هذه هو تقديم الحكومة الفيديرالية مساعدات إلى الشركات في تطوير صناعة النفط والغاز الصخريَّين في الأراضي الفيديرالية. ووعد ترامب بأن يساهم تطوير هذه الصناعة الموعودة في تشغيل آلاف العمال، وتخصيص الريع النفطي الناجم عنه في تمويل سياسة طموحة لتشييد بنى تحتية من طرق وجسور ومدارس وسدود.

ووعد ترامب بتسريع الإجراءات وتحسين الإمكانات لزيادة تصدير النفط والغاز الصخريّين، الأمر الذي سيشكل تحدياً صعباً للأسواق الدولية، لما سيسببه هذا النفط من تخمة في الأسواق، فمعروف أن كلفة إنتاج البترول الصخري تتراوح بين 55 و80 دولاراً للبرميل، الأمر الذي يعني ضرورة الحفاظ على معدلات الإنتاج المتفق عليها بين دول «أوبك» والدول المصدّرة غير الأعضاء في المنظمة.

سيعتمد النجاح السريع لصناعة البترول الصخري على معدلات أسعار النفط في المستقبل القريب. فإذا استمر استقرار الأسعار عند النطاق الحالي الذي يتراوح بين 50 و55 دولاراً للبرميل، ستواجه صناعة البترول الصخري نمواً طبيعياً وليس عالياً جداً، كما حدث أخيراً، من ثم سيبقى التحدي محدوداً.

أما المحور الثالث، فهو محاولة دعم سياسة استخراجية نظيفة للفــحم الحجري. ولا يزال الفحــم الحجري وقوداً أســـاسياً في توليد الكهرباء في الولايات المتحدة على رغم مخاطره البيئية. ويتنافس الفحم مع الغاز في توليد الكهرباء في الولايات المتحدة. إلا أن منافسة سعر الغاز للفحم وتفوقه بيئياً أديا إلى تقلص سوق الفحم، وإغلاق العديد من مناجم الاستخراج، فتفشت البطالة بين عمال صناعة الفحم الأميركية. ووعد ترامب عمّال الفحم بمساندتهم في حال فوزه بالرئاسة.

وعلى عكس ملخصات مخططات الطاقة لدى الرؤساء السابقين، لم يشر الملخص الخاص بترامب إلى الاهتمام ببدائل الطاقة المستدامة التي كانت الولايات المتحدة أولتها أهمية قصوى خلال الأعوام الماضية. وعلى رغم هذا، يُتوقَّع أن تستمر الجهود العلمية القائمة حالياً، خصوصاً في مجال الطاقة الشمسية. لكن السهو، أو الإهمال المقصود، سيعني تقليص المنح والمساعدات للبحوث المخبرية والجامعية التي تعتمد في شكل أساسي على الدعم المالي الفيديرالي.

لا بد من أن نشير أيضاً إلى غياب ذكر السيارات الهجينة، خصوصاً الكهربائية، على رغم أن معظم شركات السيارات العالمية، والأميركية منها خصوصاً، بدأت تنتج أنواعاً متعددة من السيارات الهجينة. وتساعد إعفاءات ضريبية على إنتاج هذه السيارات في تحسين أسعارها ومنافستها في الأسواق، ناهيك عن تحسُّن تقنيتها.

يؤكد ترامب في المحور الرابع لخطته أهمية ضرورة تطوير المصادر الذاتية للطاقة، وما في ذلك من أهمية للأمن القومي الأميركي. ويضيف بعض التصورات الجديدة، من دون إعطاء تفاصيل لها، وتشمل استقلال الطاقة الأميركية من أي دولة معادية لمصالح الولايات المتحدة. معروف أن الولايات المتحدة لا تستورد النفط من إيران، مثلاً، لكن هل سيشمل الأمر المكسيك في حال تصاعد الخلاف بينها وبين الولايات المتحدة حول قرار الأخيرة بناء جدار حدودي بينها وبين جارتها الجنوبية؟

ويدعو ترامب إلى العمل مع حلفاء الولايات المتحدة في الخليج لتطوير سياسة إيجابية للطاقة، «كجزء من سياستنا لمحاربة الإرهاب». إن تطوير سياسة إيجابية مشتركة للطاقة أمر مفهوم، لكن جعلها جزءاً من سياسة محاربة الإرهاب وربطها بها أمر غير مفهوم. فهذا منحى جديد في السياسة والصناعة النفطية يجب الحذر منه لتفادي زج الصناعة النفطية المعرّضة للأخطار في حروب مفتوحة وسياسات مزاجية.

 

 

* كاتب عراقي متخصص بشؤون الطاقة

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available