|   

حزين بسبب «يوتيرن»!

Print A+ a-
الثلاثاء، ٢٥ كانون الأول ٢٠١٢ (٢٠:٣ - بتوقيت غرينتش)
الثلاثاء، ٢٥ كانون الأول ٢٠١٢ (٢٠:١٥ - بتوقيت غرينتش) خالد الفاضلي

كانت وصية صاحبي «الأبهاوي» (نسبة إلى مدينة أبها جنوب السعودية) تستيقظ معي كل صباح، وتدفعني لتعجيل ذهابي في زيارة خاطفة إلى «فيلا» سكنية بجوار بيتي (حي المرجان - مدينة جدة غرب السعودية) يتحرك فيها فريق إنتاج إعلامي نشيط جداً، يحمل اسم «يوتيرن» وينتج مجموعة مميزة من قنوات «يوتيوب».

كان صديقي «الأبهاوي» عبقرياً جداً في طريقة تجسير مجموعة من البرامج في برنامج واحد، وفق موازنة إنتاجية منخفضة، وعائد إعلاني مرتفع، لكنه وخوفاً من فقدان حقوق فكرية أوصاني أن أضع مسودة المشروع بين أيادي أمينة «من الآمان، وليس من النسوان»، معتمداً على وهم كبير بأن الوسط الإعلامي يحترم حقوق الزمالة، ويتبادل الترحاب والتقدير أفراده.

كان الولوج إلى ما بعد سور «الفيلا» سهلاً، لكن صعباً المكوث طويلاً بين مسبح جاف وباب خشبي إلى حين شاب بهي «الطلة»، عذب اللغة، تحدث طويلاً وتبريراً بما أقنعني أن «يوتيرن» ليست عيادة طوارئ طبية، تستقبل من به ألم من دون موعد، ففخامة الفريق وشهرته تستوجب حجزاً مسبقاً، حتى لو كان من زملاء المهنة، انتهت محاضرة الأستاذ فراس بنزعي بطاقة تعريف خاصتي من يده، بعد أن تأملها لثوانٍ عدة، وقال ما معناه: «لا تطولها، ورني عرض أكتافك، احجز موعد وتعال لاحقاً»، وكان سبق ذلك بشرح لأسلوب عملهم «اللي عنده فكرة برنامج يرسلها عبر الإنترنت» حتى أنه لم يصافحني مودعاً.

كان ذلك، ببساطة «عندما يلبس الغرور شماغاً»، فليس الإنترنت مسرباً أميناً لتمرير أفكار لأقوام ليس لهم رسم أو اسم، ولا امتناع مؤسسة عن استقبال رسالة وساعي بريد من الذكاء المهني، بخاصة إذا كانت ساحة المعركة تتخذ من الأفكار أسلحة دمار شامل، وكانت الحقوق الفكرية قابلة للسرقة.

جاءت مجموعة قنوات «يوتيوب» «يوتيرن» أنموذجاً بعدسة مفقودة، منحتنا قدرة على رؤيتنا لذاتنا من الخارج، كان ملايين المتابعين والريالات نتيجة مستحقة، غير محسودين عليها، وكذلك اعتقاد كثير من مواهب المدن البعيدة أن أهل جدة يكرمون الضيف، حتى لو كان ضيفاً يزورها لأشهر عدة كل عام.

أصابتني خيبة أمل، ليس لأن أحدهم «فرد ومؤسسة» طردني من قبل الباب بخطوة، بل لأن «أبهاوياً» وجد في فريق «جداوي» باب أمل للتشارك والتكاتف بقصة قد تكون أحد أروع منتجات «يوتيرن» إن لم تك تاج مملكتها، أقول ذلك ارتكاناً على 25عاماً من كدحي في الصحافة الورقية والتلفزيونية، فبعد أن عدت إلى سيارتي أحمل تفاصيل مشروع صديقي، تمتمتُ يسيراً: «لو كان من استقبلني فتى من لبنان، لن يطردني إلا بعد قدح قهوة أثناء تصفحه مشروع صاحبي»، لذلك كنتُ دوماً أرفع عقالي عالياً للبنان، أرض وإنسان.

قال ذات مساء صديقي الآخر الدكتور أحمد العرفج، إن «يوتيرن» مضيافة، ذات باب بحجم شراع سفينة «تايتنك»، هذا الصحراوي القصيمي لا يعرف البحر كما أعرفه، كان الشراع لقارب صغير جداً، والبحار قرصان له عينان، وأوسم بكثير من قراصنة الصومال، بينما كلمات بحجم وغثاثة «ديور»، «فوق حدر»، «مثنى ثارك»، «عود مع دربك» هي مفردات في لهجات سعودية تتوافق مع «يوتيرن» لغةً ونهجاً.

ينتهي بي اليقين إلى أن أصحاب النجاحات السريعة يصعب عليهم استيعاب إصابة الغرور جسد تجربتهم قبل أجسادهم، وأن الهرم يحتاج كدحاً للبناء، ثم ينتهي حزني لعدم إدراكهم صعوبة رمي الهواة والمبتدئين لأحلامهم على قارعة طرق «الإنترنت»، فالأفكار أولاد شرعيون يولدون في بلادي من دون حيازة شهادة ميلاد، يتعرضون غالباً للسرقة، كذلك يحتاج الأب الشرعي إلى حيازة نفع ابنه، حتى لو كان مجرد فكرة، «يمكن تصير إمبراطورية بكره».

يحدوني أمل حول تصحيح أصحاب تجارب ناجحة على «يوتيوب» لوسائل استقبال أفكار المدن البعيدة، لأنها جزء من وطن واحد، وعمق مهم في كتلة المتابعين لهم، فهناك في المدن الصغيرة يحاول الصوت عبور حواجز وسائل الإعلام، ويشكو من «قلة الحيلة» مالاً وأدوات معرفة، ولعل صاحبي «الأبهاوي» يجد مجموعة ليس لديها «يوتيرن» تجعله يرجع من حيث أتى قتيل الحلم مكسور الخاطر.

 

 

jeddah9000@hotmail.com

 

@jeddah9000

Tags not available