|   

رياح الطلاق

Print A+ a-
الأحد، ٣٠ كانون الأول ٢٠١٢ (٢١:٣ - بتوقيت غرينتش)
الأحد، ٣٠ كانون الأول ٢٠١٢ (٢٢:١٣ - بتوقيت غرينتش) غسان شربل

كان الغرض من الزيارة التعارف. استقبلني المسؤول العراقي بود ظاهر. سألته عن الوضع في بلاده فأجابني أنه يسجل تحسناً ملموساً وأن العراقيين طووا صفحة الأيام السوداء ويستعدون لورشة الإعمار واستعادة العراق عافيته ودوره. كدت أفرح. لكن الخبث الصحافي غلبني فقلت للمسؤول إنني جئت لسماع رأيه الحقيقي خصوصاً أن الكلام ليس للنشر.

انفرجت أسارير المتحدث فشعرت أنني حررته من قيد مؤلم. قال إنه لا يريد أن يخفي أن الوضع سيء جداً وأن الأيام المقبلة لا تبدو وردية أبداً. طالبته بالإفصاح أكثر. أخرج المسؤول ورقة من جيبه وراح يقرأ. كان عدد العاملين السُنة في وزارة الداخلية كذا وهبط اليوم إلى كذا. الأمر نفسه بالنسبة إلى وزارة الدفاع. وزارة الزراعة لم تكن بمأمن هي الأخرى. مواقع السُنة في الجيش في تراجع مستمر.

قبل أيام اغتيل ضابط كبير وأغلب الظن أن الجريمة نُفذت بملابس رسمية.

سألته عن توقعاته فأجاب: «هناك غليان في الشارع السني العراقي. العملية السياسية برمتها مهددة. لن يقبل السني العراقي أن يعيش مواطناً من الدرجة الثانية». استفسرت إلى أي درجة يمكن أن يذهب غضب سنة العراق فرد: «أبعد مما تعتقد. أنا لا أحبذ هذه الخيارات لكنني أخشى الوصول إليها».

خرجت من اللقاء قلقاً. ليس بسيطاً أن يقول مسؤول في دولة مثل هذا الكلام لصحافي يلتقيه للمرة الأولى. والحقيقة أنني فضلت الاعتقاد أن الرجل يلجأ إلى شيء من المبالغة في شرح الصورة.

لدى اندلاع الاحتجاجات في الأنبار قبل أيام اتصلت بسياسي عراقي آخر سائلاً عن خطورتها. أجابني بلهجة قاطعة: «إنها أخطر مما يعتقد الكثيرون. إذا تمسك (رئيس الوزراء نوري) المالكي بسياسته القائمة على الإقصاء والتهميش واحتكار القرار فإنني لا أستبعد أن يكون العراق على طريق التقسيم. سياسته تدمر العملية السياسية. لقد أوصل العلاقات مع الأكراد إلى شفير الحرب وتنكر لتعهداته لهم. وها هو يدفع العرب السنة إلى المواجهة المفتوحة مع حكمه. أضف إلى ذلك انقسام العراقيين حول الموقف من إيران ومما يحصل في سورية. من مصلحتك كصحافي أن تزور العراق لأنه أمام منعطف خطير». وختم قائلاً: «للأسف لا نستطيع اليوم الاختباء وراء أصابعنا وتغطية انقساماتنا بإلقاء المسؤولية على الاحتلال أو على فلول صدام حسين».

كانت غيوم الطلاق تتجمع في سماء الأنبار حين تحدثت تقارير الأمم المتحدة وتقارير المراسلين عن المخاوف من تزايد البعد الطائفي في النزاع الدائر في سورية. ولعل هذا البعد بالذات هو ما جعل الأخضر الإبراهيمي العائد من رحلته الروسية يطلق تحذيراته المدوية من مخاطر «صوملة» سورية مؤكداً أن الخيار هو بين العملية السياسية والجحيم. وإذا أخذنا في الاعتبار أن العملية السياسية التي يتحدث عنها الإبراهيمي ترمي إلى «تغيير حقيقي وعميق» فإن الاتجاه إلى الجحيم يبدو مرجحاً في السنة الجديدة خصوصاً بعدما أخذ النزاع في سورية موقعه على خط النزاع السني - الشيعي الممتد من بغداد إلى بيروت مروراً بدمشق.

رياح الطلاق التي تضرب سورية تضرب لبنان معها. التعاطف المذهبي أسقط حرمة الحدود الدولية ووسع دائرة المجازفات. ينقسم اللبنانيون حول الثورة السورية ومستقبل النظام وينقسمون أيضاً حول استقبال اللاجئين الفارين من الجحيم السوري. الجحيم الذي تحدث عنه الإبراهيمي لن يحترم بالضرورة الحدود الدولية السائبة أصلاً. مجازفات حلفاء النظام السوري تساهم مع مجازفات بعض خصومه في التمهيد لاستدعاء الجحيم. وفي ظل رياح الطلاق هذه وتآكل الدول ومؤسساتها وسقوط الحدود الدولية تعثر «القاعدة» على ممراتها ومعاقلها لتعزز اندفاع المثلث العراقي - السوري - اللبناني نحو الجحيم.

Tags not available