|   

«الخريف» العربي و «الربيع» القاعدي

Print A+ a-
الثلاثاء، ٣٠ تموز ٢٠١٣ (٢٢:٤٣ - بتوقيت غرينتش)
الثلاثاء، ٣٠ تموز ٢٠١٣ (٢٣:٧ - بتوقيت غرينتش) مهنا الحبيل

هل ما يرصده الباحث والمراقب العربي من اهتمام واسع في واشنطن والاتحاد الأوروبي لانعكاسات إسقاط الربيع العربي بوسائل الدولة العنيفة في مقابل عدم اهتمام أو السير في الاتجاه المعاكس من الإقليم العربي والدفع نحو ترسيخ خط الاسقاط هو تميز في رؤية الساسة العرب أم قصور يصل إلى حد الانهيار الكامل في إدراك مساحة متصاعدة تحوم أجواؤها على المنطقة، سؤالٌ محيّر بالفعل، إذ إن أول ما تضرب عواصف الخريف العربي هي جغرافيا المصالح الحيوية والاستراتيجية في الوطن العربي، ومشهد تفجيرات بغداد الأخيرة سواءً القسم الذي تنفذه المخابرات الإيرانية لتجييش الشارع الشيعي، أو الذي تعترف به القاعدة حصيلة مهمة لعينة من نماذج هذا الخريف الدامي.

حسابات الصعود القاعدي في أجواء مواجهة نقض البناء السياسي الدستوري لبلدان الربيع العربي وعودة دولة التسيير الأمني والإقطاع البرجوازي هي معالم ظاهرة للمراقب السياسي والباحث الاستراتيجي لكن حجم رد الفعل في ظل صعود عناصر الانضمام المتوقعة بالآلاف في مصر ومنطقة الخليج العربي تعطي دلالات أكبر على مركزية رد الفعل المعاكس ومساحته ونوعيته، ولربما كان المشترك بين خشية واشنطن والاتحاد الأوروبي من حصيلة الخريف العربي وبين حركة المثقفين العرب المستقلة إذا جاز وصفهم، هو الخشية على المصالح لكن كلٌ يصنف مصالحه في ميدانه الخاص، فالاتحاد الأوروبي وواشنطن لا يعنيهم مطلقاً سلامة التيار الإسلامي ضد العنف غير القانوني ولا استقرار سيادة شعبية كفلها الربيع بما يعزز قرارات استقلال قومية كبرى، بل هذه من مخاوفهم لكن الغرب يخشى على نقض هذا الخريف لأدنى درجات الاستقرار العالمي وبالتالي اضطراب مصالحه، وهناك عمق متجلٍ في الحدث المصري وما يتتبعه من دول الربيع العربي من استنساخ غير بريء لنقض باقي مواسم الربيع، وهو أن مواجهة الدبابة والسلاح الحي لرد الفعل الشعبية الرافضة لإسقاط الربيع وجسمها المركزي هو التيار الإسلامي حالياً - وهي مفارقة عجيبة أن يتبنى الإسلاميون التمسك بالدولة المدنية وتتبنى شرائح علمانية إسقاطها والتطهير السياسي والأمني لخصومهم -، هذه الردود تقرأ بوضوح أنها ستصب في اتجاه آخر خارج العمل السياسي كلياً وأي قناعات تهدئة عمل على إقرارها الإسلاميون المدنيون كشراكة وطنية دستورية وستتحول إلى صيغة مروعة للحياة الوطنية والمدنية في مواجهات الدولة الأمنية وتشكيلات القاعدة الأممية الجديدة.

من هنا نفهم مسار وموقف وتقويم حركة المثقفين العرب الذين بكل تأكيد لم يقتنعوا بتبريرات الإعلام الخاص في مصر المؤيد للمواجهة الدامية من سلطات ما بعد 30 تموز (يونيو) ضد الإسلاميين والذي يُدعم رسمياً من رأسمال ضخم لم يصنف سابقاً ولا لاحقاً على أن ملاكه من أنصار الحرية الدستورية وإنما كانوا شركاء إقطاعيين في مرحلة الرئيس مبارك التي تعود اليوم إلى القاهرة ليس بشخصه بالضرورة لكن بفريقه وأجهزته ذاتها، كما أعلن ذلك رسمياً وزير الداخلية الحالي اللواء محمد إبراهيم.

هذا الموقف للمثقفين العرب يتميز بمعيار مختلف، فهو يخرج عن الحفلة الصاخبة التي يثيرها مؤيدو المواجهة الدموية مع الإسلاميين لإنجاز متطلبات القيادة العسكرية لـ 30 حزيران (يونيو)، بحسب تفسير هذه القيادة التي بدا واضحاً أنها تختلف مع بعض القوى المدنية حتى التي لم تنسحب، كحزب مصر القوية، بل إن هذا الاختلاف والقلق يرصد في عناصر من حركة تمرد المعادية للتيار الإسلامي، حول ما هو برنامج الجهاز العسكري وحلفائه من نظام الرئيس مبارك وقوى علمانية متطرفة، وما برنامج شركاء 30 حزيران (يونيو) ذوي الخيارات الأخرى التي تؤمن بحياة دستورية لكنها تشترط إقصاء الإسلاميين أو محاصصتهم تحت الوصاية.

في كل الأحوال هذه الفروقات لم يعد لها تأثير، فقضية ما تبناه المثقفون العرب من مشروعية إقصاء الإخوان سياسياً كمداولة للسلطة، خصوصاً أن المشهد تبين أن الأخونة كانت هجوماً إعلامياً موجهاً، وأن الدولة لا تزال بقوة في القضاء والداخلية والقوات العسكرية بيد المقربين من الرئيس مبارك بدلالة أحداث ما بعد 30 يونيو، فالإسقاط الديموقراطي هو ما كان يضمن بقاء الكفاح المدني وفرص التيار الإسلامي في الشراكة التداولية، وهنا الفرق بين فريقين من خصوم الإخوان وهو ما لم ترغب قوى الإعلام في طرحه بعد 30 يونيو والتركيز على دعم المواجهة الدموية لرابعة العدوية، كضخ نفسي لوجدان الشارع المصري لا يستطيع أن يقرأ فيه هذه المسارات الدقيقة وأين تقف مصالحه كمواطن فيها.

نجاح هذا التسويق الإعلامي مرحلة زمنية محددة لن يغير من شواهد الرؤى الاستراتيجية للعنوان الرئيس، وهو أن مشاركة هذا التيار الإسلامي الحاشد والمتنوع في العملية السياسية للربيع العربي انتهت إلى مواجهة مسلحة معه، وهو ما يُلقي قنبلة نووية في ساحة الانتماء الإسلامي، من المحافظين حتى التقدميين وخلخلة الإيمان بضرورات العمل السلمي والتمسك بالبناء السياسي والصعود الشعبي بحكم أن خصوم هذا التيار الإسلامي المدني قدموا الدليل لفشل هذه الصناعة السلمية التقدمية للشراكة الإسلامية في أوطانها، وهذه الرؤية هي بالضبط الأرضية الأنسب لصعود ما يسمى بخيار العنف، أو ما تطلق عليه الحركات اليسارية الكفاح المسلح للسيادة الشعبية.

وعلى رغم أن كثيراً من الإسلاميين اليوم بل وغالبيتهم الساحقة أكثر قلقاً من نتائج هذا المسار ولا يدفعون له، إلا أن التجربة المعاصرة تثبت أن هذا الوازع المُحبِط ينجح في توظيف أعداد مهما بلغت نسبتها المحدودة فهي تشكل رافداً استراتيجياً لعودة مختلفة تماماً لـ«القاعدة»، خصوصاً في ظل الشيطنة الشاملة للتيار الإسلامي والإخوان وتسويق العداء لهم في إطار تصنيف مطلق خارج عن معايير الأخلاق والمسلمات الإنسانية، فضلاً عن ميزان الحقوق والشراكة الوطنية، وهي لغة تعزف بقوة ما بين مصر والخليج العربي، الذي استبدل بمواجهة النظام السوري التيار الإسلامي، وعلى رغم أن هذه المخاوف لا تحتاج لكثيرٍ من التفكر في عواقبها وضرورات الدفع للمصالحة الوطنية في مصر وإلى ضبط الخطاب في الخليج إلا أن صوت التهدئة محاصرٌ قبل أن ينطق وربما حتى يستمع المشهد دوي البركان القاعدي.

 

 

* باحث سعودي.

mohanahubail@hotmail.com

Tags not available