|   

غياب الفلسطينيين عن الكويت... مداخلة متحفية في الجزائر

Print A+ a-
الجمعة، ٠٣ كانون الثاني ٢٠١٤ (١٧:٤٠ - بتوقيت غرينتش)
الجمعة، ٠٣ كانون الثاني ٢٠١٤ (١٩:٤ - بتوقيت غرينتش) الجزائر - «الحياة»

يحل «متحف أدوات ترد الغياب» ضيفاً على المتحف العمومي الوطني للفن الحديث والمعاصر في العاصمة الجزائرية، ضمن المهرجان الدولي الخامس للفن المعاصر الذي يقام برعاية وزارة الثقافة.

«متحف أدوات ترد الغياب»، هو متحف بلا مقر، يحط دائماً كمداخلة متحفية في متاحف العالم. تختص مجموعته الفنية بالبحث في غياب الفلسطينيين وتاريخهم من دولة الكويت، اعتماداً على التاريخ الشفوي والقصص التي تروى من الذاكرة. تنحصر المجموعة بين علامتين زمنيتين هما 1948 و1990 ، تحددان البداية والنهاية لزمن ذهبي ظهرت فيه جالية فلسطينية، ساهمت في بناء دولة الكويت الحديثة وفي تألق مشاريع نهضتها.

بدأ الفلسطينيون يساهمون في بناء نهضة الكويت مع وصول فوج أول من المعلمين عام 1936، حين لم يكن النفط قد اكتشف ولا فلسطين قد ضاعت بعد. كمجموعة أي متحف تاريخ طبيعي، يُركّب متحف «أدوات ترد الغياب» مجموعته من أدوات يومية تشير إلى غياب الوجود الفلسطيني في هذا الشتات الخاص اليوم. كل قطعة تحمل عنصرا من المبالغة أو الاستحالة، وخصص لها حرف من أبجدية التاريخ الفلسطيني - الكويتي.

تبدأ المجموعة بقطعة من الذهب الخالص سميت «المسطرة» للفنان جودت إريك (تركيا) تشير إلى حدود المتحف الزمنية. تليها مرآة من الرخام الأبيض لسيارة «بويك» التي انتشرت في الكويت، نحتها برونو فانتوني (إيطاليا)، يقرأ عليها جملة التحذير «الأشياء في المرآة هي في الحقيقة أقرب مما تبدو». يصل «شرط» بين صنبوري ماء بارد وحار على خزان ضخم، في عمل لأحمد بدري (مصر) من الورق المقوّى متحدياً احتمالات الذوبان. وعلى ورق قطني رقيق رسمت نباتات استلهمت من كتاب «أعشاب الكويت البرية» وأعاد تلوينها صاحب الرسوم مجدي الجوهري (مصر)، بينما «زرع» ابنه باسم مجدي على الورق نفسه كريستالات «ملح». ويحاكي العمل نمو شكلين طبيعيين، مختلفان في التركيب، في بيئة الكويت الطبيعية.

في المعرض خريطة مترو خيطت على كرة أرضية شفافة أنتجها محمد أبوسل (فلسطين) لتشير إلى شبكة مواصلات عامة تنطلق خطوطها من حولّي (مدينة كويتية) إلى أحياء ومرافق حيوية ومشاريع دعم أو تشغيل للفلسطينيين في العالم. بينما رسم بلال الشريف (المغرب) صفحة «مع حمد قلم» من كراسات المناهج الابتدائية، وأضاف صفحتين جديدتين: «مع حمص قلم» و«حمد يحب الحمص». «حمص» و»صمون» و»زعتر»، أسماء كنّى بها طلاب كويتيون زملاءهم الفلسطينين الذين تحول مكان سكنهم ومنازلهم إلى خارج الكويت بعد خروج 400 ألف فلسطيني إثر الغزو العراقي للكويت العام 1990.

في المعرض لوح مدرسي ثبّت عامر الشوملي (فلسطين) عليه ألعاباً من الطبشور. في نص المعرض كتب الفنان: «نعمان وملسون شخصيتان صممتا للنسخة العربية من برنامج «شارع سمسم» الذي أنتجته مؤسسة التعاون الخليجي المشترك في الكويت. ضم الشارع ممثلين وفنانين وملحنين ورسامين وتقنيين من الأقطار وكان من أول البرامج التربوية العربية. بعد العام 1990، توقف إنتاج البرنامج واختفى نعمان وملسون كالكثيرين ممن اختفوا حينها. يقول البعض أنهما غادرا مع الفلسطينيين من الكويت متحسرين على وطن مصغّر (شارع سمسم) ضم الجميع».

لا صور حقيقية في المتحف ولا أرشيف، كل ما في المتحف مصنّع. لا ترد كلمة فلسطين أو أي من مدنها في أي من مجموعة المتحف، بل تلميحات ورموز: حبة برتقال ضخمة هي كعكة الاحتفال، تطريز فلسطيني دقيق على ثوب كويتي تقليدي، صفيحة زيت من الفضة الخالصة، مفتاح الرجوع من لوحة مفاتيح الكومبيوتر، قطعة من الصابون النابلسي محفورة عليها جملة وداع الكويتيين «ترى لا تنسونا».

يتدفق الجمهور عبر شارع العربي بن مهيدي النشط في الجزائر إلى المتحف العمومي الوطني للفن الحديث والمعاصر لزيارة متحف «أدوات ترد الغياب» ومعرضي تصوير فوتوغرافي للألماني أندرياس هلمت روست بعنوان «نيمير بنظرة أخرى» والأميركي شارك جانز مارتن «من أجل الجزائر». وأعقب الافتتاح يوم دراسي قدّمت فيه مي النقيب (الكويت) دراسة متعمقة عن الفلسطينيين في الكويت وآثار ذلك على المجتمعين، وقدم يحيى سويلم (مصر) عرضاً تفصيلياً لتجربة الفنانين الفلسطينيين في الكويت، بينما تحدثت كريستين خوري (لبنان) عن جهود إعادة جمع وثائق المعرض التشكيلي العالمي من أجل فلسطين الذي أقيم في بيروت (1978) وضاعت مجموعته الأممية من الأعمال التي وهبت وقتها لمشروع متحف فلسطيني مستقبلي. كذلك عرض الفنان خالد حوراني (فلسطين) مشروعه «بيكاسو في فلسطين» الذي حمل عبره لوحة أصلية لبيكاسو عبر الحدود إلى الضفة الغربية مختبراً صناعة الفن والمتاحف في ظروف الحرب والحصار. ووصف جاك أسود (لبنان) شبه متحف، سمّاه «متحف الاستجابات المصنّعة للغياب»، فيه «معروضات مجموعة المتحف كلّها قابلة للفهم بوصفها كائنات سرياليّة مفارقة. لكن ثمة قراءة أخرى، متعددة المستويات، هي أيضًا ممكنة».

يذكر أن العرض الثاني للمتحف الذي يضم 36 قطعة فنية أنتجتها نخبة من الفنانين، يلي عرضه الأول في متحف الفن الحديث في الكويت العام 2012. ولدى وصول الحضور إلى طنجرة «ضغط» تتبخر منها مجموعة المتحف، يتقدم الفنان حليم قارة بيبان (تونس) مرتدياً مئزر رسم ملطخاً بالألوان ومعتمراً خوذة، لتسليم الضيوف بطاقات دعوة «المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر في تونس» (الوهمي -المستقبلي) إلى معرض مجموعة «متحف أدوات ترد الغياب» (الرحالة) الذي يقام في تونس نهاية عام 2017.

Tags not available