الآتي إلى بيروت من مدخلها الجنوبي «ترعبه» شاحنتا تراب... وشوارع «مسمومة»
بيروت – مالك القعقور الحياة - 12/05/08//
اطمأن أبو محمد ظهر أمس إلى أن الأوضاع في بيروت هدأت وأن الخط الساحلي جنوب بيروت أصبح سالكاً. شدّ العزم قاصداً ضاحية بيروت الجنوبية ليتفقّد زوجته الحامل، التي كانت في زيارة أختها واندلعت الاشتباكات فحجزت كل منهما في مكانه. هو في بلدته في إحدى قرى إقليم الخروب وهي في الشياح، في نقطة قريبة جداً من مستديرة الطيونة.
على الطريق الساحلية راح يحصي «الأختام» السود التي طبعها المحتجون على الأوتوستراد بدخان إطارات السيارات التي أشعلوها ليقفلوه بها. كان أهون عليه أن يحصي السيارات الآتية إلى بيروت. لم يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة. على الجسور فوق الأوتوستراد وقف جنود من الجيش اللبناني. وليس بعيداً من هناك ركنوا آلياتهم.
في تقاطع خلدة، قال أبو محمد للسائق: خذ طريق الأوزاعي. فرد عليه: لنذهب وراء السيارات إلى طريق المطار. فقال له: لا تنم بين القبور ولا تر أحلاماً موحشة. أطاعه السائق، ليكتشف أنه محق. هنا في الأوزاعي، لا تزال الطريق المؤدية إلى المطار مقفلة بساتر تراب. بدت الحركة التجارية مستمرة في هذه المنطقة. كأنها لم تتوقف أثناء المعارك في بيروت. باعة الخضار في مواقعهم. المحال والكاراجات مفتوحة. أصبح إحصاء السيارات أكثر صعوبة.
ينعطف السائق يميناً في اتجاه السفارة الكويتية، الحركة طبيعية لكن أبا محمد تقع عيناه قبل السائق على شاحنتين محملتين تراباً وصخوراً متوقفتين في منتصف الطريق، قال للسائق: «اسرع قبل أن تفرغا حمولتهما وتقطعا الطريق».
وهذه الطريق هي الوحيدة التي لا تزال سالكة في اتجاه بيروت، بعدما قطعت طريق المطار وطريق الجناح، وإذا أقفلت فلن يستطيع أحد الخروج من بيروت، إلا من الناحية الشرقية من طريق كفرشيما – الشويفات - خلدة، وهي أيضاً طريق محفوفة بمخاطر كبيرة خصوصاً في ظل استمرار الأنباء عن اشتباكات وإشكالات تدور بين الفينة والأخرى بين مناصري المعارضة والموالاة في قضاء عاليه.
يسرع السائق فيتجاوز الشاحنتين التي ركنتا في تلك اللحظة إلى يمين الطريق، ملاحظاً أن لوحتيهما غطيتا بورق وتبدوان من بعيد أنهما من غير لوحات. لم يبالِ بالأمر كثيراً وواصل طريقه في اتجاه محطة الرحاب التي تعتبر مدخلاً للضاحية الجنوبية. هنا الوضع أكثر من طبيعي. الحركة التجارية في السوق الناشئة على مدخل مخيم صبرا الجنوبي على أشدها، وبائع الاسطوانات أطلق العنان لمكبر الصوت معلناً عن بضاعته من الغناء والفرح وكأن المآتم التي تقام في المقلب الآخر، أي المدخل الشمالي للمخيم لناحية الطريق الجديدة، حصلت في عالم آخر.
عند تقاطع الغبيري – جسر المطار ينعطف السائق يساراً في اتجاه مستديرة شاتيلا. هنا السواتر لا تزال على حالها. مستوعبات النفايات محروقة أرضاً مع بقايا الإطارات. يعتقد أنه دخل إلى طريق مسدود. يترجل أبو محمد شاكراً، ويهم بالصعود فوق تلة تراب ليذهب إلى منزل شقيقة زوجته في البناية المقابلة. حيرة السائق لا تدوم طويلاً، يأتيه من يبددها بلحظة. رجل انتدب نفسه دليلاً، قائلاً: «أكمل طريقك، واعبر فتحة في الساتر، ثم انعطف بعكس السير يميناً إلى ما بعد مسجد الخاشقجي واكمل سيرك إلى أن تصل الى محلة البربير فانعطف شرقاً واذهب في اتجاه المتحف فهناك كل الطرق سالكة». قال السائق: «شكراً حاج»، وهي الكنية التي أصبحت محببة كثيراً لدى جمهور «حزب الله» و»أمل»... وكانت الوصفة ناجعة جداً، عبر بضعة حواجز للجيش اللبناني الذي انتشرت بدءاً من ليل أمس في معظم أحياء بيروت، بعدما غاب سلاح المسلحين وبقيت أنظارهم على الشوارع التي لم تزل مسمومة.
|