السنيورة يحذّر من تفكيك النظام اللبناني: تدخلات الجوار تلعب دوراً كبيراً في المأساة
بيروت الحياة - 19/12/07//
وصف رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة الكلام على «الحصص والتقاسم ونصيب هذا الفريق أو ذاك وفي الذهن كيفية التعطيل، وكل ذلك ينبغي ان يجرى الاتفاق عليه في ربع الساعة الأخير وإلا فلا انتخاب لرئيس الجمهورية الجديد»، بأنه «منطق عجيب من التماس الحلول في جيب هذا الطرف أو ذاك في الداخل والخارج».
وقال السنيورة في حفل رعاية الإعلان عن صدور كتاب للزميل جورج بكاسيني بعنوان «الطريق الى الاستقلال، خمس سنوات مع رفيق الحريري»، في السراي الحكومية عصر امس: «استُشهد الحريري، وما انتهت تجربته ولا عمله الإنساني والوطني والسياسي والإعماري والاقتصادي. ولولا ذلك العمل الزاخر الذي وقف فيه معه معظم اللبنانيين لنحو العقدين من الزمان، لما استطعنا الصمود في هذه الأزمة الهائلة التي تعصف بالكيان السياسي والاجتماعي للبنان منذ عام ونصف عام. فالمؤسسات الدستورية اللبنانية معطّلة جزئياً أو كلياً. وكان في طليعة المؤسسات المعطلة المجلس النيابي. ومنذ اكثر من ثلاثة اسابيع انضمت إليها من طريق الفراغ المتعمد مؤسسة الرئاسة وتعرضت ولا تزال، مؤسسة السلطة التنفيذية للتشكيك والحصار وتلا ذلك تعرض مؤسسة الجيش اللبناني البطل للامتحان وللترهيب من خلال اغتيال الشهيد فرنسوا الحاج، ويتعرض الدستور للانتهاك واتفاق الطائف لمحاولات التهديم والتهشيم والتعطيل».
وتوقف عند تعرض «الحياة الاقتصادية والمعيشية للناس لتراجع كبير منذ حرب تموز (يوليو) عام 2006، واللبنانيون يهاجرون بالآلاف بسبب انسداد الأفق وتراجع الحركة الاقتصادية، والتوتر يسود حياة وتصرفات فئات واسعة من اللبنانيين». وقال: «تضاءلت الحياة السياسية بتعطيل المؤسسات الدستورية ولا سيما مجلس النواب، وجرى استبدالها بالتشاتم والتشنج في وسائل الإعلام. وأول من امس أصيب مواطن في الجنوب بانفجار قنبلة عنقودية اسرائيلية فما كاد احد يذكره! واليوم طائرات العدو تخرق سيادتنا فوق العاصمة، وهذه الحوادث تشير الى الحال التي وصلنا إليها. أين هي القضايا التي بدأ الخلاف عليها، وانعقد الحوار الوطني من اجلها؟».
وأكد «ان التدخلات الخارجية، ومن الجوار على الخصوص، تلعب دوراً كبيراً في المأساة المستمرة والمدمرة للنظام والمواطن. لكن الأيدي المباشرة التي تعطّل، والتي تجاهر في وسائل الإعلام وتفخر بذلك هي ايد لبنانية. وكنت أجادل الصديق غسان تويني في وقت مضى في عنوان كتابه «حروب الآخرين على ارض لبنان»، وتبين لي منذ مدة ان مقولته صحيحة، لكن ماذا نقول عن أدوات الحرب ووقودها، وكلهم لبنانيون!».
ورأى السنيورة ان «المصيبة النازلة في لبنان الآن، هي نتيجة تقاطع في المصالح والرؤى بين قوى خارجية وأخرى داخلية، وهذا التقاطع يلتقي ويا للأسف حول نقطة اساسية وهي تدمير النموذج اللبناني في العيش المشترك والتلاقي الحر وتداول السلطة. الهدف على ما يبدو تفكيك النظام اللبناني بحجة السعي الى تعزيز المشاركة فيه والحصول على دور تعطيلي للقرار فيه». وأضاف: «بعض القوى الخارجية لا يزال يرى ان ما جرى في العقود السابقة وأدى الى قيامة لبنان المستقل هو خطأ تاريخي ويجب العودة عنه، وبالتالي هدم ما بُني وتم. أما القوى الداخلية التي تلاقيها فهي ترى ان هذا النموذج اللبناني أثبت فشله ولا بد من استبداله بآخر وهم يرون ان اللحظة التاريخية أزفت وحان قطاف ثمارها بالنسبة إليهم. وهم الآن وبحجة المشاركة او حماية مصالح المسيحيين يعملون لإبقاء الفراغ في موقع الرئاسة الأولى ويحرصون على أن يأتي الرئيس العتيد – إذا أتى – مكبلاً ومجرداً من أي فاعلية وواقعاً باستمرار تحت الابتزاز».
وأعلن «ان من يسعى الى تفكيك العقد اللبناني غير متنبه ربما الى انه ومسعاه هذا سيحيل بقية البيت الى حجارة متناثرة لن تسهل اعادة تركيبها والسقف سيقع على الجميع والسفينة ستغرق بنا جميعاً. ولذلك ورداً على تلك المحاولات اؤكد ان ذلك لن يحصل ان لم يكن لشيء فإنه وبسبب إرادة وإصرار الأعم الأغلب من اللبنانيين على العيش المشترك وعلى إبقاء هذا النموذج الفريد في عالم العرب والعالم الإسلامي والعالم أجمع».
وتحدث عن «خطرين كبيرين: خطر تفكك النظام والدولة، وخطر تعاظم التطرف. تفكك النظام لا يضر بطرف من دون آخر، وخصوصاً إذا لم يكن هناك بديل واقعي متفق عليه بقناعة كل الأطراف، فأين هو المشروع الآخر للدولة والنظام الذي يحمله الذين يُقبلون على تهديم كل شيء؟ وبماذا يعدون انفسهم واللبنانيين؟ الكل متضررون وسيزداد الضرر النازل اذا استمرت عمليات الإعاقة او التهديم. اما الخطر الآخر فهو خطر صعود المتطرفين. فالصراع لن يبقى بين متطرفين ومعتدلين، ذلك ان التطرف يستدعي التطرف، والثوران يستدعي ثوراناً مضاداً».
وسأل السنيورة: «هل نريد الحل والتسوية؟ نقولها بصوت مدو وإصرار قوي، نعم نريد التسوية، لكننا لا نريد الغلبة ولا السيطرة ولا الاستئثار، نريد المشاركة الحقة، لكن لن نقبل بالخضوع لمنطق الإرهاب والترهيب والاستسلام امام وهج السلاح، وإرهاب الاغتيالات، ونشر السلاح والمسلحين، وإطلاق أبواق الكراهية والانقسام في وسائل الإعلام».
وقال: «التسوية بالعرف والتجربة وخصوصاً في لبنان تعني ان يتقدم كل فريق خطوة ويقابله الفريق الآخر بخطوة مقابلة. إن الاستعداد موجود وبارز. وجرى التعبير عنه بكل الأساليب والوسائل، وهو يعني التنازل عن بعض ميزات الأكثرية الناجمة عن الانتخاب الحر مقابل ان يرضى الطرف الآخر بالتراجع عن شروط التعطيل على ان نستفيد من تركيبتنا في المشاركة لنعطي الرئيس الحَكَمَ قوة وازنة بين الطرفين، تحت سقف الدستور والتأكيد في شكل قاطع على احترامه، وعدم العبث به».
وشدد على ان «التسوية التي يحتاج إليها اللبنانيون، لا تعني ان يغلب هذا الفريق او ذاك. وقد دعَونا من قبل الى الحوار المنفتح وللتسوية والمصالحة الداخلية وما زلنا ننادي ونتبنى هذا الموقف ولن تكون هناك طريقة اخرى لمعالجة مشاكلنا سوى سلوك هذا المسار».
ورأى ان الأعباء التي يواجهها المواطن «ناجمة عن الخروج على الدستور والقانون والنظام. ولو سُمح لمواطنينا بالعودة الى قوانينهم وأعرافهم وأخلاقهم، لانعزلت هذه الزعانف الداخلية والخارجية وزالت».
وشدّد على ان «الوضع الاقتصادي يحتاج الى عناية كبيرة وأن استقراره وكذلك الاستفادة من هذا الكم الكبير من الفرص الاقتصادية المفوتة تحول دونها الصراعات على تقاسم المراكز والموارد المتهاوية والناضبة».
وأشار الى ان «الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة تحتاج الى معالجة لا تتيحها إلا الدولة ومؤسساتها والالتفاف الشامل من حول الجيش الوطني، وليس السكوت على قتل جنوده وضباطه تارة في حرب البارد وطوراً بالاغتيال الجبان».
|