سمية رمضان فازت بجائزة نجيب محفوظ عن "أوراق النرجس" . البطلة المضطربة تصدمها هزائم الواقع 

صبحي موسى |

حازت الروائية المصرية الشابة سمية رمضان جائزة نجيب محفوظ عن روايتها "أوراق النرجس". والجائزة سنوية تمنحها الجامعة الاميركية في القاهرة وبموجبها تترجم الرواية الفائزة الى اللغة الانكليزية، علاوة على مكافأة مالية. هنا قراءة في الرواية الفائزة.

تظل الرواية دائماً فن التحولات الكبرى، ليس لأنها ترصد تحولات التاريخ وصراعاته السياسية، بقدر ما ترصد التحولات النفسية لدى كاتبها وما يشغله من قضايا عدة تعد انعكاساً لهذا البعد التاريخي والاجتماعي، وما يشكله من ميراث ثقافي يقف المبدع حياله مستجيباً أكثر من كونة فاعلاً ومؤثراً فيه، وقد استطاعت الكاتبة سمية رمضان في روايتها "اوراق النرجس" - التي فازت اخيراً بجائزة نجيب محفوظ للادب العربي - وكانت صدرت عن "دار شرقيات" ان ترصد هذا البعد - سواء على المستوى الداخلي او الخارجي، في تضفيرة ناعمة لا يستطيع القارئ ان يقبض فيها على جملة تبدو نشازاً عن ايقاع العمل المشمول ببساطة وهدوء.

لعل أول ما يلفت انتباهنا في الرواية هو هذا التناغم الذي شغلت به الكاتبة روايتها وكأنها تقدم "موتيفة" من الارابسك. فهي لا تتعجل الاحداث ولا تختصرها وتصر على الرصد اليومي بايقاعه الهادئ متحايلة على امتداد الفترة التاريخية التي تناسب فيها روايتها بتقديم فصول صغيرة قد لا تتجاوز الورقة الواحدة في بعض الاحيان. وتجعل من عنوان الفصل محوراً له وكأنها تكتب مذكراتها الخاصة انطلاقاً من هذا العنوان. وتتواتر هذه عناوين الفصول الصغيرة لتصنع قطعة الارابسك حتى نجد انفسنا امام اطارين: داخلي وخارجي حيث العامل النفسي يعد المؤثر الاساس في الإطار الاول والعامل السياسي هو المؤثر في العامل الثاني، بينما الصراع ما بين الموروث على المستويين الاجتماعي والتاريخي - وما يجب أن تكون عليه الذات الصغرى - بطلة الرواية كيمي - أو الكبرى - الوطن / مصر - هو المؤثر الاول في بناء الرواية.

فالعمل يدور حول فتاة من عائلة ارستقراطية نشأت بين الكثير من القوانين الاجتماعية المحكومة بما يجب وما لا يجب على الفتاة في هذه الطبقة، ولأنها فتاة تود أن تكون نموذجية فكان عليها الانصياع لهذه القوانين، بل إن الحكاية التي كانت ترويها خادمتها لها عن العقاب الذي ينتظر من يخالف ارشادات الكبار ظلت محفورة في ذهنها، حتى ذهبت لتكمل تعليمها في الخارج حيث قوانين الحياة غير تلك التي نشأت بينها، فتصادم الماضي مع الحاضر. وبدأت في إعادة انتاج الأسئلة عن هذا المخزون الثقافي الاجتماعي. ولأن العمل أو الرواية تسردها الرواية بعد السقوط في هاوية الصراع النفسي فإننا نجدها مدشنة بالكثير من الاسئلة عن الصراط المستقيم، ودرس الحساب، والزجاج المهشم الذي يجرح من يسقط في بئر عدم الالتزام بتعاليم الأهل، الكثير من الاسئلة عن الماضي وما تم فيه من تكريس لبروتوكول طبقة ذات ثقافة خاصة. هذه الثقافة بتعاليمها هي التي أحدثت الصدام بين الذات والواقع فوجدت الكاتبة أو الرواية نفسها في مأزق التذبذب النفسي فمرضت ولم تستطع الامتثال للواقع الأوروبي ولا الواقع المصري بعدما عادت إليه.

ليس مفاجئاً أن تبدأ أحداث الرواية الفعلية وما فيها من صراع، بعد الذهاب إلى أوروبا والذي يتوازى معه - بحسب البعد التاريخي في العمل - نكسة 67. ويبقى ما يسبق ذلك هو إعادة ترتيب للأحداث في ذهن الرواية ذات الواقع النفسي المتشكك في كل شيء. ومثلما كان الصدام الاجتماعي بين تعاليم طبقة ارستقراط وواقع برجوازي أوروبي كان الصدام في بعده التاريخي بين حضارتين. فمصر التي تعلمت - الكاتبة - أنها فجر التاريخ وذات حضارة من أقدم حضارات الدنيا تجدها - بحسب المحاضرة التي ألقاها استاذ التاريخ في الجامعة الأوروبية - اختراعاً أوروبياً سرقه الألمان والإنكليز ووضعوا شفرته في المتحف البريطاني وهي الوريث الطبيعي لحضارة أثينا التي هي أم النهضة الأوروبية. وتتساءل أين مصر بين ما درسته وما يقوله المحاضر وبين واقع المصريين وطبقتها المغرمة بترداد الكثير من الاسماء الأوروبية والأماكن الإنكليزية فتشعر أنها قطعة في متحف أوروبي داخل مجتمع مصري مثلما مصر قطعة في المتحف البريطاني.

قطعاً يكفي أن تشير الكاتبة إشارات تاريخية بسيطة الى فترة من أكثر فترات التاريخ المصري تحولاً حتى نعرف مدى الاضطراب النفسي الذي تعانيه مثلما يعاني الوطن. فنكسة 67 إنكسار لحلم الوحدة العربية. وموت السادات على يد التيار الديني الذي صنعه ليخيف به الشيوعيين كان تحولاً في اتجاه المصير غير المعلوم. وربما عودتها بعد التحول من الاشتراكية إلى الانفتاح غير المحدد بضوابط أو حدود عكست وضعها النفسي المهترئ. وكأن الكاتبة استعارت رؤية الانعكاسات هذه لتقول ما لم تقله، فحين تتحدث عن انهيارها وتصادم افكارها فهي كأنها تتحدث في الوقت ذاته عن التصادم التاريخي بين الشرق ومصر خصوصاً تجاه الغرب، وحين تتحدث عن النكسة ومقتل السادات والانفتاح فهي ترصد انهيارها الداخلي.

احتلت الرؤية النفسية مساحة واسعة داخل العمل ربما لأن الكاتبة انطلقت من رؤية راوية تعاني مرضاً نفسياً بسبب عدم المقدرة على التواؤم مع المجتمع الأوروبي ذي الطبيعة الارستقراطية على أرض ما زالت تحكمها الثقافة الريفية. أو عدم التواؤم بين موروث هذه الطبقة والمجتمع البرجوازي الانفتاحي الذي لا يعرف قوانين العيب وما لا ينبغي حيث ذهبت تتعلم. لكن العامل النفسي لم يكن مقصوراً على الرصد الذاتي فقط، إذ ضمنته بعده الاوسع وهو البعد السياسي العام حيث النكسة ومحاولة النهوض وحيث التاريخ والحضارة المسلوبة والبحث عن موطئ قدم على متن هذه المركبة الفضائية المقلعة من دون انتباه الى شروط الموروث الحضاري واسبقيته. ومن ثم كان العمل ككل، محض إعادة لانتاج أسئلة النهضة وأين نتجه والبحث عن الهوية. هذه الأسئلة التي لم تأت مباشرة ولا واضحة لكنها أتت في هيئة شكوك وصراع داخلي بين الواقع والموروث وكيفية التواؤم. من خلال سرد ذاتي لسيرة معاناة بطلة مضطربة نفسياً، اختارت لها الكاتبة اسم "كيمي" - الذي يرد مرة أو مرتين طوال الرواية - لتظل دائرة التماهي بين الرواية والوطن مشتعلة في شكل لا يؤرق القارئ ولا يفرض عليه بعداً تأويلياً محدداً وإن كان مقصوداً داخل العمل. فتظل "أوراق النرجس" أوراق الوطن وأوراق الفتاة الهادئة التي تبحث دائماً عن أن تكون نموذجاً داخل السياق لا خارجاً عنه.