الأب بطرس التولاوي ومدخله الى علم المنطق ."الايساغوجي" بصيغة مدرسة حلب المارونية عام 1688 

غسان الحلبي |

> تأسست المدرسة المارونية في روما على يد البابا غريغوريوس الثالث عشر في السابع والعشرين من شهر حزيران يونيو سنة 1584. وكُلِّف اليسوعيون بإدارتها، فشرعت في استقبال بعثات الطلاب الوافدة اليها من "بلاد الشام" بمعدل خمسة عشر طالباً في كل عام كانوا "يُشرَّبون" مبادئ التعليم الديني، ويُلقنون سبل العناية بنفوسهم وذلك بالاعتكاف على الرياضة الروحية، والتخلق بأخلاق الرسل والطاعة للرؤساء، والتهيؤ لتلقي درجات العلم من حيث هو خادم للإيمان، ومن ثُم باكتساب الثقافة الواسعة انطلاقاً من تعلم قواعد اللغات الشرقية القديمة، لا سيما السريانية منها، والأدب والتاريخ الكنسي، نفاذاً الى التدريب على آليات المنطق والمحاججة الفلسفية الموروثة والمجسَّدة بالتراث المعروف بالسكولاستيكي، وصولاً الى التمرُّس بعلوم القانون والليتورجيا واللاهوت وفقه النصوص الدينية.

أُرسل الفتى بطرس التولاوي عام 1669 برفقة رهط من الفتيان اللبنانيين الى المدرسة المارونية في روما وهو في الثانية عشرة من عمره. وعاد منها في العام 1682 بعد ان أمضى فيها أربعة عشر عاماً متلقياً للعلوم وناهلاً من معينٍ حضاري ثر.

وأمضى ثلاثة أعوام كاتباً للبطريرك الدويهي وقسّاً لدير قنوبين. ثم اختير من قبل البطريرك في العام 1685 موفداً الى حلب من أجل "بثّ روح العِلم والمعارف"، وكان الدويهي أسس فيها مدرسة عام 1666 أرادها ان تكون "صورة مصغرة عن معاهد روما". وشهدت هذه المدرسة عصرها الذهبي في عهد راعيها الجديد فلُقِّب بـ"كوكب الشرق وقبّة الحكمة" واليه نُسب "الإشعاع التولاوي الذي تحقق كَرْزاً وارشاداً وتعليماً وترجمةً وتأليفاً"... وذلك على مدى إحدى وستين سنة انتهت بوفاته عام 1746 مخلّفاً إرثاً حافلاً بالانجازات والمآثر.

ان آخر محاولة للخروج بثبْتٍ موحَّد لتصنيف مؤلفات التولاوي انتهت الى احصاء تسعة وعشرين كتاباً. خمسة منها في الفلسفة، وعشرة في اللاهوت، واثنان في اللغة والأدب، وثلاثة في التاريخ الكنسي، وسبعة في الترجمات، وكتابان في التحقيق والتقديم، نُشِر منها قبل صدور العمل الأخير مؤلَّفان فقط.

أتمَّ التولاوي تأليف كتاب "الايساغوجي أو المدخل الى علم المنطق" في 16 أيلول سبتمبر 1688، اصدار جامعة سيدة اللويزة، وتقديم أمين البرت الريحاني 1688، أي بعد استقراره في مدرسة حلب بما يقارب السنوات الثلاث. واستهلَّه بذكر الغاية من تأليفه ومنفعته على عادة قدماء الفلاسفة. فذكر ان "الرويَّة الانسانية قد يعتريها الزيغ عن الصواب والميل الى الخطأ"، لذلك، فإن الحاجة تدعو الى "اعداد قانون صناعي يعصم الذهن من الغلط فيهما"، والغرض من ذلك ليس اصلاح تلك القوَّة العقلية التي "لا يمكن اصلاحها إلاّ من المولى جلَّت قدرته وانما تهذيب افعالها التي هي: التصور والتصديق والانتقال الفكري".

ويحدّد بأن القانون الصناعي هو المنطق، وان الحاجة اليه هي "تأدّي الذّهن لدرك المجهولات من المعقولات وترتيب صورها وموادها". ويحتاج عقل هذه الأداة بأفعالها الى ارتياض الفكر وتمرّسه بقواعد لطيفة وتمييزات ادراكية، فكان لا بد من اعداد مدخل اليها هو "كتاب الايساغوجي" الذي يتقدم على المنطق ممهِّداً له ومُعيناً عليه.

يقسم التولاوي مدخله هذا الى ثلاثة أقسام، يتناول في الأول منها، والمخصَّص لمبحث التصور وما يتعلّق به، حدود القضية، فيعرف بإيجازٍ دقيق أقسام الحدّ ذاته، ودوال الألفاظ وتقسيماتها، ومن ثم وجوه الحدود ومناسبتها وفروضها. ويتناول في القسم الثاني المخصص للتصديق وما يتعلق به حدود الاسم والكلمة والأداة والقول، ثم القضية ولوازمها وصورتها وكيفيتها ومادتها ومقابلاتها. وفي القسم الثالث المخصص للانتقال الفكري، يتناول اصنافه وقياساته وضروبه وقواعد القياس العامة وأشكاله وأخطاءه، ويتطرَّق الى قياسات العرب، الى ان ينهي ببعض الفوائد والأمثلة. ولا يترك التولاوي لنزعته الفلسفية ان تأخذ مداهاً شرحاً أو تعليقاً، وانما يلتزم انضباطاً شاملاً حتى نهاية مدخله بالدقة اللازمة لبناء الحد بإيجازٍ مُكتفٍ بمادته الراهنة في أقل امكان للتعبير وبما يكفي الدلالة، ودائماً يرفد حدَّه التعريف الذي يعتمده بمثال تطبيقيّ ايضاحي ولا أكثر ولا أقل.

ويتم نشر المخطوط في اطار مشروعين اساسيين تعهدتهما جامعة سيدة اللويزة. يتعلق الأول منهما بوضع ثبتٍ بأسماء كافة المخطوطات الخاصة والتابعة للرهبانية المارونية المريمية، والثاني بتوفيرها للباحثين والدارسين بعد حفظها وفقاً لأنظمة التوثيق الحديثة عبر نشرها تباعاً انما من دون تحقيقها وفقاً للقواعد الاكاديمية العلمية المتبعة التي تقضي بإجراء مقارنة بين عدة نسخ، ووضع دراسة بحثية وافية لايضاح القيمة والأثر التاريخيين للنص تمهيداً لرصد الأثر الثقافي الذي يمكن ان يكون قد تركه في الحقبة الزمنية التي شهدت وضعه.

يمهِّد هذا العمل إذاً الى القيام بخطوات لاحقة حيث انه يشكِّل في حد ذاته "مادّة دراسة نصية، ومادة مناقشة فكرية، واضاءة موضوعية على نماذج بارزة من التراث اللبناني بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، وهي مرحلة اكتنزت بإرثٍ فلسفي ولاهوتي وتاريخي وأدبي"، وهو إرث برسم البحث المنهجي والدراسة العلمية اللذين يمكن أن يؤدّيا الى اضاءات لافتة على عوامل ومؤثرات ساهمت في شكل أو بآخر في احياء حركة الفكر وصولاً الى دور النهضويين اللبنانيين في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وتقتضي الحكمة هنا توخي الحذر الشديد قبل اطلاق أي تعميم في غياب تحقيق النص لجهة مضمونه تأثراً وأثراً. فأما التأثر فإنه يطرح اشكالية كيفيات تلقي مدرسة روما المارونية لتراث المدرسة السكولاستيكية القروسطي في الفلسفة التي عُنيت بالتوفيق بين العقل والإيمان بأثرٍ طاغٍ من الارسطوطاليسية. وأما الأثر فيطرح اشكالية كيفيات نقل هذا التلقي عبر مؤسسات كنسية خصوصاً هنا دور التولاوي في مدرسة حلب الى قلب بيئةٍ كانت ترزح فكرياً تحت وطأة عهد انحطاط كما هو الشائع عن تلك الحقبة الزمنية.

لذلك، فإنه من قبيل استباق الأمور القول بأن "ايساغوجي" التولاوي "يحتل مكانته التأسيسية وموقعه الفكري والأدبي والتربوي ككتابٍ رائد من الكتب التي ساهمت في بناء التراث المشرقي الحديث بقالبه العربي وبروحه الإشراقية وبأبعاده الفكرية..." كما يرد في مقدمة الريحاني للنص والذي اقتصر عمله على إعداد المخطوط للنشر من دون تحقيقه. وهذه الملاحظة لها ما يسوّغها منهجياً حيث ان المقدمة، ولو بصيغتها "الإنبائية"، تخلو من الاشارة الى "الايساغوجي" الذي وضعه فرفوريوس الصوري 234 - 305م المشهور بتأسيس التقليد السكولاستيكي للأفلاطونية المحدثة، والذي مهَّد لحقبة التقليد الفلسفي المعني بالأصول الأرسطية، والذي كان لمؤلفاته حول الحكيمين اليونانيين أثر عميق في الفارابي وابن سينا لاحقاً.

وكتاب "الايساغوجي" لفرفوريوس محفوظ بترجمة عربية كاملة، وتورد عنه دائرة المعارف الإسلامية انه "عرف شعبية واسعة في العالَم الإسلامي، كما في العالمين الاغريقي واللاتيني، ولاقى اهتماماً كبيراً من معظم الفلاسفة العرب...". ومن الذين أَولوه عناية فائقة الفيلسوف العالم أبو الفرج عبدالله بن الطيب 980 - 1043م الذي وضع شروحاً مفصَّلة عليه. وكان أبو الفرج "كاتب الجاثليق ومتميزاً في النصارى ببغداد، ويقرئ صناعة الطب في البيمارستان العضدي، ويعالج المرضى فيه..." كما يقول عنه ابن ابي اصيبعة في "عيون الأنباء وطبقات الأطباء".

ونشرت دار المشرق هذا التفسير عام 1975 في بيروت بتحقيق كوامي جيكي. وان مقارنة تمهيدية بين نصَّي فرفوريوس والتولاوي تبيّن ان الأول اقتصر في مدخله الى علم المنطق على تمهيدٍ وافٍ لأورغانون ارسطو وهو الاسم الذي يُطلق على مؤلفاته المنطقية، ويعني "آلة" باليونانية، فالصناعة المنطقية آلة للفلسفة وليست جزءاً منها. وذلك بشرح ما يُمكن ان يُسمى المصطلحات العلمية الأساسية التي يمكن الانتفاع بها لاحقاً عند دراسة كُتب البرهان والتحليل والقياس، فضلاً عن شرح طرق بياناتها من دون الدخول في قواعدها الموضوعة من قِبل "المعلّم الأوّل" في المتون اللاحقة.

وأما التولاوي فإنه تجاوز خطة فرفوريوس الواقفة من دون الدخول الى صلب "الاورغانون"، ذلك انه لا يكتفي بإيراد تعريفات المصطلحات التمهيدية بإيجازٍ "رياضي" بالغ، بل انه، وبالإضافة اليها، يتوسع الى صلب الكتب المنطقية الأرسطية ليضع ما يمكن تسميته "ملخصاً صغيراً" وفقاً لتسميات القدامى لمثل هذه المختصرات لكتب "العبارة" و"التحليلات الأولى" بمقالتيه المتعلقتين بنظرية القياس وخصائصه ونتائجه...

ولعل القيام بعملية مقارنة دقيقة ووافية ان يكون من شأنها وضع تخطيط شامل يُبين فيه المدى الذي توسع فيه التولاوي اختصاراً من "الأورغانون"، وتالياً، الكيفية التي استعمل فيها هذا المختصر في اطار اعماله الفلسفية التي يعتبرها كمال الحاج "سلسلة تآليف متناسقة متتابعة في كل أبواب الفلسفة واللاهوت".

انها خطوة لا بد منها ليُطرح السؤال من ثم حول كيفيات ادارة "اتجاه البوصلة الفكرية الأرسطو طاليسية باتجاه توما الأكويني وأوغسطينوس من جهة، لردّها الى حضن العربية ورحاب المشرق من جهة أخرى". وهو سؤال يأتي في اطار تحديد مكانة التولاوي الفلسفية، وهو تحديد من شأنه تقديم ايضاحات مهمة في ما يتعلق بالاشكاليتين المقدم ذكرهما. وتضع مقدمة الريحاني لنص "الايساغوجي" الأمر في نصابه الصحيح حين تشير الى وجوب اعداد مشروع متكامل لمراجعة أعمال التولاوي كاملة، وتحقيقها ونشرها مما "يشكل مشروعاً علمياً اكاديمياً مستقلاً وقائماً بذاته... على أمل أن يؤدي نشر هذه النسخة الى اثارة الفضول المعرفي لدى الدارسين والباحثين، تمهيداً للقيام بخطوات لاحقة تتناول هذا التراث بالبحث المطلوب والدراسة الضرورية لإعادة تقويمه تقويماً علمياً صحيحاً".

* كاتب لبناني.