الحمامات الشعبية في القاهرة خرائب ومساكن لفقراء بلا مأوى . هذا حمام الفأر صاح عمرو بن العاص في عاصمة مصر وأصدر أوامره ببناء حمام كبير ! 

أحمد عبدالرحمن |

هل يأتي يوم يعود فيه الزمان الى الوراء، ويجد الانسان نفسه في الماضي بحنينه وعبقه وجماله، وعاداته وتقاليده. في الماضي كانت هناك الحمامات الشعبية يذهب اليها الجميع للاستحمام وغسل الهموم والتمتع بنظافة "اشتراكية".

يؤكد المقريزي وعلي باشا مبارك في كتاباتهما ان بداية انشاء الحمامات في مصر تعود الى العهد الفاطمي، والحمام الأول أنشئ في عهد المعز لدين الله الفاطمي، ثم تبعتها حمامات أخرى، وتنوعت في عهد الدولة الأيوبية، وازدهرت في عهد المماليك، وأصبحت من معالم القاهرة في عهد الدولة العثمانية. ولذلك أطلق بعضهم عليها اسم "الحمامات التركية". وصل عددها في نهاية القرن الى 18 حماماً. ومع دخول الحملة الفرنسية مصر بلغ عددها نحو مئة حمام، ثم انخفض هذا العدد في 1888 الى 55 حماماً.

ويتكوّن أي حمام من ثلاثة أجزاء هي الجزء "البرّاني"، وهو قاعة كبيرة للاستقبال، تحتوي عدداً من الأرائك للزائرين يستريحون فيها وينتظرون ويبدلون ملابسهم، وهنا أيضاً يجلس مدير الحمام، لولب الشغل ومحصّل بدلات الدخول وحافظ ملابسهم وممتلكاتهم.

وفي قاعة الاستقبال نافورة لها قبة من الزجاج وفتحات للضوء والتهوئة.

أما الجزء الأوسط، فقاعة فسيحة داخلها مصطبة دائرية يجلس عليها الزبائن للتدليك والتكييس والاستحمام، وفيها أحواض، وتعلوها قبة. والجزء الأخير الداخلي او ما يطلق عليه "الجواني" يحتوي حمام سباحة صغيراً مغطس تتدفق فيه المياه الساخنة وبخار الماء الساخن ويجلس الزبائن حوله.

وكان تسخين المياه في هذه الحمامات يتم بطريقة اقتصادية، من طريق استخدام موقد من مواقد الطهو القديمة. أما معظم الحمامات الموجودة حالياً فتستخدم الطاقة الشمسية.

وفي القاهرة اليوم عدد من الحمامات، لكن معظمها لا يعمل، منها حمام السكرية في الغورية الذي يعود الى القرن الـ18، وحمام الطمبلي ويعود الى القرن نفسه، وحمام الفخرية نسبة الى الأمير فخر الدين عبدالغني المملوكي، وحمام الملاطيلي 1780 وحمام المؤيد 1420 وحمام الشرايبي. وهذه الحمامات محصورة تقريباً في مناطق الخليفة والجمالية والدرب الأحمر.

وهذا ما جعل المجلس الأعلى للآثار يهتم بها، ويرمم عدداً منها بعد نزع ملكيتها، وإعادة تأجيرها تبعاً للقانون 117 لسنة 1983. ومن الحمامات التي تعاني الإهمال حمام بشتاك في الدرب الأحمر الذي تحول الى ما يشبه الخرابة وتسكنه أسر فقيرة بلا مأوى.

وهذا الحمام كان من أشهر الحمامات في القاهرة، إذ أنشئ في العام 1341 وينسب الى الأمير المملوكي بشتاك، الساقي الخاص للسلطان الناصر بن قلاوون. وهو من أجمل أشكال العمارة الاسلامية، يتكون من ثلاث قاعات وفي داخله مغطسان. وما زال يحتفظ بشكله الجمالي والأرضية الرخامية والأرائك الخشبية والأحواض الرخامية. وكان يتم تسخين المياه في داخله من طريق المستوقد.

من الحمامات الأثرية أيضاً حمام "الدود" في شارع القلعة وهو من الحمامات الأهلية وعمره نحو ثلاثة قرون، تحول حالياً الى مكان مهمل بسبب خلافات على ادارته بين الورثة.

وحمام السلطان إينال في شارع المعز في الجمالية نجحت هيئة الآثار في ترميمه، ويعمل فترة واحدة في اليوم، وفي داخله ثلاثة مغاطس. كذلك حمام قلاوون في شارع المعز في الجمالية، الذي يؤكد مديره أن انتشار سخانات المياه في المنازل سحب البساط من تحت الحمامات الشعبية.

أما حمام السكرية في الغورية فعمليات تجديده مستمرة منذ سنوات. ويؤكد عدد من المؤرخين ان مصر عرفت الحمامات في عهد الرومان، وكانت تعرف باسم "جيمنازيوم". وكان في الحمام ملعب ومغطس وصالة جمباز. وبعد الفتح الاسلامي العام 641، تطورت هذه الحمامات كثيراً، إذ أعجب بها عمرو بن العاص وأمر ببناء مثلها، فلما بُني له حمام صغير قال "أين هذا من الديماس الحمام الكبير. هذا حمام الفأر!".

ولذلك يعتبر المؤرخون ان البداية الحقيقية للحمامات كانت في عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي في العصر الفاطمي، حين تم إنشاء أول حمام ثم توالت الانشاءات وازدهرت في عهد المماليك واستمرت في عهد الدولة العثمانية.

كان الهدف من هذه الحمامات الاستحمام في أماكن نظيفة بالمياه الساخنة نظراً لأن بناءها في المنازل كان مكلفاً لعامة الشعب، وأدى هذا الى تحول الحمامات الى ما يشبه الفنادق أو النوادي الاجتماعية الموجودة حالياً، يلتقي فيها الأصدقاء، لا سيما الحرفيون. بل كانت الأعراس تخرج منها ليلة الزفاف وتتم ليلة الحناء للعروس في داخلها. وكذلك احتفالات الختان للأطفال، كما كانت تحرص السيدة النفساء على الاستحمام في الحمام بعد 40 يوماً من الولادة.

في العصر الاسلامي زاد الاهتمام بالحمامات وكان المحتسب يمر على هذه الحمامات يومياً للتأكد من نظافتها ودعك البلاط وتنظيف كل ما فيها ومنع المرضى بالأمراض المعدية مثل الجزام من دخولها، وكان يمنع أيضاً عمال الجلود والصباغة، كما تحولت الأماكن الموجودة أمام هذه الحمامات الى أسواق.

وعلى رغم هذا التاريخ الطويل وصدور القانون 117 لسنة 1983 الذي يعطي المجلس الأعلى للآثار الحق في ترميم هذه الحمامات وحمايتها ووقف هدمها أو بيعها، إلا أن عدد الحمامات في القاهرة تقلص الى نحو ستة فقط صالحة للعمل من بين مئة حمام على الأقل كانت موجودة في مصر كلها.

ومن أشهر حمامات القاهرة حمام الطمبلي في منطقة باب الشعرية، إذ يذكر المؤرخون ان الحكومة استخدمته في الفترة من 1940 الى 1945 للقضاء على مرض التيفوئيد. وكان العسكر يجبرون الناس على دخول الحمام والاستحمام والحصول على مطهر. كما كان يستخدم لتدبير اللقاءات السرية ضد الفرنسيين والانكليز.

ويقع في شارع أمير الجيوش الجواني أشهر حمامات القاهرة حمام الملاطيلي المعروف بلقب "مرجوش" نسبة لشاعر بهذا الاسم. اما الملاطيلي فنسبة الى الملطي باشا أحد مرتاديه القدامى من الباشاوات.

ويوم دخول السيدات تساعدهن البلاّنة في الاستحمام، وتروي لهن حكايات غريبة عن الامثال الشعبية، ومنها ما حدث في أحد الأيام عندما شب حريق في حمام وكان في داخله عدد كبير من النساء، خرجن كما خلقهن الله فنجين. أما ممن خجلن من الخروج فمتن. ولذلك جاء المثل الشعبي "اللي اختشوا ماتوا".

وتؤكد سجلات الآثار أن حمامات القاهرة حالياً ستة حمامات فقط هي: اينال والطمبلي والملاطيلي وهي من القرن الخامس عشر. وحمام بشتاك من القرن الرابع عشر، تتم محاولات لترميمه لإعادة العمل فيه. وهناك أكثر من مئة حمام معطلة من العمل، أصابها الاهمال ويسكنها الفقراء.

وفي الحمام عدد من السيدات العاملات، منهن الناطورة التي تقوم بالتنظيف، والكيّاسة نسبة الى كيس في يدها أثناء غسيل الجسم وتدليكه.

ويشير العالم الفرنسي ادموند بوكيه الى ان عدد الحمامات العاملة في القاهرة كان 47 حماماً العام 1933.

حمام الطمبلي، في حي باب الشعرية يعود بناؤه الى عصر محمد علي. انتزعت هيئة الآثار ملكيته ورممته وأجّرته للسيد انور عباس الحمامي الذي يقول ان الحمام مكون من ثلاثة دواوين أهمها المسلخ نسبة الى انسلاخ الانسان من ملابسه وغرف تسمى الخلاوي، ثم توجد نافورة الماء الساخن والمغطس حيث تصل درجة حرارة المياه الى الغليان. ويخرج منه البخار ويخرج العرق من المستحم، ما يؤدي الى تفتيح المسام وتنشيط الدورة الدموية. وتتراوح الأسعار للشخص بين 5 و15 جنيهاً بحسب المقام والدوام... ومعسول الكلام!