خطبة غير منشورة ألقاها في حفل تكريمي أواخر الأربعينات . طه حسين : الأدب العربي مدين للبنان بنهضته 

نبيل فرج |

في أواخر الاربعينات من القرن الماضي، أقام نائب رئيس مجلس الوزراء وزير التربية الوطنية حبيب أبو شهلا، في بلدة بيت مري، حفلة تكريمية للأديب طه حسين، ألقى فيها عميد الأدب العربي كلمة ضافية لم تنشر عن العلاقة التاريخية بين مصر ولبنان.

وتطرق طه حسين في كلمته الى فضل لبنان على النهضة العربية الحديثة، وإلى سبقه في إحياء الأدب العربي القديم، وإقامة الجسور بين الأدب العربي والآداب الاوروبية. ولهذه الكلمة اهميتها بالنسبة الى الأدباء والنقاد والباحثين، لأنها، إلى جانب فصاحتها وغزارة علمها، تتضمن اعتراف طه حسين بفضل لبنان ورواده على الثقافة العربية.

وربما كان هذا الاعتراف هو الاعتراف الوحيد الذي أعلنه طه حسين، لأنه لم يكتب شيئاً يذكر في حياته الأدبية الطويلة عن أدباء لبنان. كل ما كتبه على مدى أكثر من نصف قرن مقال أو مقالات قليلة جداً، إحداها عن ايليا أبي ماضي، حين أصدر ديوانه "الجداول" وأخذ عليه طه حسين ضعف لغته وموسيقاه، واتخاذه من هذا الضعف منهجاً للتعبير. والأخرى عن الشاعر فوزي المعلوف، تناول فيها قصيدته "على بساط الريح"، وقد نشرت في الجزء الثالث من كتابه "حديث الاربعاء". وثمة مقالة أو أكثر عن خليل مطران كتب إحداها في وداعه.

أما جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني من أعلام الأدب المعاصر الذين ملأوا الدنيا، فلم يتعرض لهم طه حسين قط، على رغم الثورة الادبية الكبرى التي قاموا بها في الابداع العربي شكلاً ومعنى، وهي ثورة عرفت في انحاء العالم أكثر مما عرف الأدب المصري، خصوصاً أن أدب جبران ترجم الى أكثر من عشرين لغة أجنبية.

وكلمة طه حسين المنصفة عن لبنان ورواده ترد الاعتبار له ولهم، وتنفي ما قيل عن طه حسين من عدم احتفائه بأدب غير الأدب المصري، توطيداً لمكانته وحدها أو لمكانة الثقافة المصرية وحدها. ويطالع القراء في كلمة طه حسين بعض ملامح أو صفات شخصيته التي كان يحب أن يذكرها كلما عرضت له مناسبة، وأبرزها شعوره الدائم بالنقص إزاء ما يتطلع اليه من كمال، وعدم ثقته او اطمئنانه الى ما يقدمه من انتاج، أو ما يستحقه من تقدير وثناء.

ولحسن حظ الثقافة العربية أن كلمة طه حسين المرتجلة في بيت مري وجدت من سجلها، كما ألقاها بأسلوبه التلقائي الطلي الذي لا يحتاج الى تجويد، وقد كتبها على الآلة الكاتبة، وأهدى نسخة منها الى طه حسين قبل أن يغادر لبنان، ويعود الى مصر.

وتتعين الاشارة هنا الى أني حصلت على نسخة مصورة من هذه الكلمة سنة 1990 من الأديب محمد حسن الزيات، زوج ابنة طه حسين، بصفتي الشخصية، وهي محفوظة الآن مع كل ما أعطانيه في دار الكتب والوثائق القومية في القاهرة.

كلمة طه حسين

سيدي صاحب الدولة الرئيس،

سيدي صاحب المعالي الوزير،

سادتي:

يقول المثل العربي القديم "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه". ولم أشعر قط بصدق هذا المثل كما أشعر به الآن. فقد كنت أعلل نفسي سعيداً بأن أهل هذه البلاد الكريمة يحسنون الظن بي ويضيفون إليّ شيئاً من فضل لأنهم يسمعون بي أكثر مما يرونني. ثم أراد فضلكم العظيم أن تستقبلوني وتحتفوا بي هذه الليلة. وتفضل معالي وزير التربية والتعليم فأهدى إليّ هذا الثناء الجميل الذي سمعتموه، وها أنذا أنهض لأؤدي بعض ما يستوجبه هذا الفضل من الشكر فإذا أنا مقصر لا أقدر على شيء ومفحم لا أجد ما أقول.

ومصدر هذا العيّ أمران أولهما أني أعجز الناس عن الشكر حين تُهدى إليّ النعمة ويُسدى إليّ الجميل، لأني أرى كل ما يقدم إليّ من فضل أعظم مما أستحق، وأجلّ من أن ينهض به الشكر. فأنا في رأي نفسي أقل جداً مما يظن الذين يتفضلون عليّ بالثناء. وثقوا بأني لا أقول هذا تواضعاً ولا تكلفاً للتواضع وانما هو رأيي في نفسي وفي كل ما يصدر عني من قول وعمل. وأقسم ما أتيتُ شيئاً من الأمر وما قلتُ شيئاً وما كتبتُ شيئاً إلا وهو في نفسي أقل مما كنت أريد، وأهون جداً مما يرى الناس فيّ ومما يتفضلون به عليّ من ثناء. الأمر الثاني أني لا أرى نفسي إلا فرداً من الأفراد، وعمل الأفراد مهما يكن أهون من أن يحفل به أو يؤبه له. لذلك أعتقد أن ما تتفضلون به عليّ الليلة من احتفاء انما هو موجه إلى مصر. ومن حق لبنان أن يكون بمصر حفياً، ومن حق مصر أن تحتفي بلبنان، فان الأمر بينهما على ما فيه من رفع الكلفة خليق بالإكبار حقاً، فهذان الوطنان الكريمان قد تعاونا دائماً على الخير وتظاهرا دائماً على تحقيق المنفعة الإنسانية الكبرى.

وأؤكد لكم أن التعاون الخصب بين مصر ولبنان أقدَم عهداً وأبعد مدى مما يظن المتعجبون في الحكم. فنحن لا نكاد نرى وطنينا في فجر التاريخ القديم إلا متعاونين على الخير متظاهرين على نشر الحضارة والثقافة. ولقد كانت منفيس والاسكندرية تعملان على نشر الحضارة والثقافة والمعرفة متعاونتين على ذلك مع صيدا وصور، كما تتعاون القاهرة الآن مع بيروت على نفس هذا الغرض النبيل. فالود بين مصر ولبنان قديم، والتعاون بين مصر ولبنان بعيد المدى عظيم الخطى لا يقتصر نفعه عليهما وحده بل يتجاوزهما الى جميع الأوطان التي تحب الحضارة وتريد أن تنتفع بهما.

وما دام الأمر قد جرى على هـذا النحو إلى أبعد آماد المستقبل لأنه قانون طبيعي من قوانين الجوار بين هذين الوطنين الكريمين، فلا غرابة إذاً في أن يتبادلا الثناء ويتهاديا المعروف ويقدر كل منهما لصاحبه نصيبه في تحقيق المنفعة الانسانية العليا. وقد تفضل حضرة صاحب المعالي وزير التربية والتعليم فأثنى على ما لي من مشاركة في الهدف ومن حظ في الانتاج الثقافي والادبي. فاسمحوا لي أن أعيد عليكم حقيقة من الحقائق الأولية في تاريخ الأدب العربي الحديث ولكني أرى أن تكرارها واجب لأنه أداء للحق واعتراف بالفضل لأصحابه، وهي أن الأدب الحديث في مصر وفي الشرق العربي كله مدين بنهضته لعلمائكم وأدبائكم الذين سبقوا في القرن الماضي الى العناية بدرس الأدب العربي القديم وإحيائه، كما سبقوا الى توثيق الصلة بين العقل العربي الشرقي والعقل الاوروبي الغربي. وأنا رجل أنفقتُ حياتي في التعليم وتعودت ألا أرسل الأحكام عفوا دون أن أقيم عليها الأدلة. وما أحب أن ألقي عليكم الآن محاضرة في تاريخ الادب العربي الحديث، فإنما يكفي أن أذكر بعض الاسماء فذكرها يغني عن كل دليل. يكفي أن أذكر اليازجي والبستاني وصروف وزيدان، وأن أذكر "الضياء" و"دائرة المعارف" وترجمة "الالياذة" و"الهلال" و"المقتطف". فهذه الاسماء كلها واضحة الدلالة على ما قلت من أن علماءكم وأدباءكم سبقوا الى إحياء الادب العربي وتحقيق الصلة بينه وبين الآداب الاوروبية الكبرى. فمن زعم لكم من أدباء الشرق العربي المعاصرين انه ليس مديناً للبنان بشيء من أدبه فهو منكر للحق كافر للنعمة جاحد للجميل.

سادتي

إن كثيراً من الناس يزورون بلادكم الجميلة في فصل الصيف يلتمسون فيها الراحة والاستمتاع بجمال الطبيعة.

وأنا أشاركهم في هذا ولكن أخص نفسي بمتعة لا يكاد يشاركني فيها أحد، فأنا لا أستمتع في بلادكم بطبيعتها الرائعة ونسيمها العذب وثمراتها المختلفة المتشابهة فحسب، وإنما أستمتع فيها بأدب رائع غض فيه لذة للنفس وحياة للقلب وتغذية للعقل.

وإذا كان الجيل المعاصر قد أعرض عن سُنة الجيل الماضي في إحياء الأدب القديم وتعمق دراسته فإن له من الأدب الرفيع حظاً عظيماً سواء في ذلك الشعر والنثر. ثم أنا لا أستمتع بأدبكم الذي يتخذ اللغة الفصحى أداة للتعبير فحسب، وإنما أستمتع بأدبكم الشعبي الرائع الدقيق النفاذ.

فإذا أثنيتم عليّ بأن لي حظاً من أدب فإنما تثنون على أنفسكم لأني مدين لكم بهذا الأدب. وكم كنت أريد أن أؤدي إليكم بعض ما لكم من حق، وأن أشكر لحضرة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية فضله العظيم، ولحضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء عطفه الكريم، ولحضرة صاحب المعالي وزير التربية والتعليم كرمه الجم وثناءه العـذب وجميله الذي طوقني به تطويقاً معنوياً قبل أن يطوق عنقي به تطويقاً مادياً كمـا تــرون، وللبنان كله هذه الأيام السعيدة التي أقضيها فيه. ولكنـي كما ترون عاجز عن أن أبلغ ما أريد، وأنا مع ذلك معروف بطول اللسان، ولكن رُب نعمة قصرت أشد الألسنة طولاً. والواقع أن نعمكم قد أفحمتني فليتول الله شكركم عني فإنه على ذلك قدير.