الدراما التلفزيونية العربية : من نص الأزمة إلى أزمة النص ."أميرة من عابدين" لكل شخصية بطولتها 

عبدالكريم فيلالي |

من المسلم به ان نجاح اي عمل درامي تلفزيوني يعتمد بالدرجة الأولى على القصة ثم السيناريو فالإخراج. وعلى رغم اهمية كل تلك الأبعاد إلا اننا نعتقد ان عملية تحويل النص من المكتوب - المتخيل الى المرئي - المشاهد من طريق عملية الإخراج هي المرحلة الثانية التي لا يمكنها ان تنجح إذا ما كان الأساس الأَولى - "النص" محكوماً ببعض الهنات التي ستظهر في كتابة السيناريو ثم في عملية الإخراج. فجودة النص القصة هي التي تستنفذ طاقات المخرج فتدفعه الى بذل كل قدراته لتقديمها في ثوب متميز. إما إذا كان النص لا يتمتع بالجودة المطلوبة، فإن المخرج سيتعامل معه بحرفية لا أكثر ولا يستطيع ان يعطيه ما يجعله في ثوب متكيف.

كان لا بد من الاتفاق على هذه المسلمات البسيطة لأننا سنركز هنا على فنية النص في عملين نرى ان اولهما "اميرة في عابدين" حقق نجاحاً لافتاً، وثانيهما "اين قلبي" اتى تكراراً لأعمال كثيرة سبقته. هنا اطلالة على "اميرة من عابدين".

عائلة تعود من الغياب الطويل

"اميرة في عابدين" عمل درامي تلفزيوني من تأليف الكاتب اسامة انور عكاشة ومن اخراج احمد صقر قام بأدوار البطولة فيه: سميرة احمد في دور اميرة، يوسف شعبان في دور عبدالمنصف. محمد رياض في دور جمال وحنان ترك في دور غادة.

يبدأ المسلسل بكارثة تحل بهذه العائلة يهرب على اثرها ربها الى الخارج بصحبة زوج غادة وجمال فتضطر اميرة بعد مصادرة كل الممتلكات الى العودة الى حي عابدين حيث عاشت جزءاً من حياتها لتستقر هناك بصحبة غادة، وجمال الذي عاد الى بلده طوعاً مفضلاً مواجهة مصيره مهما كانت النتائج، فتبدأ حياة هذه العائلة في هذا المكان الذي غابت عنه طويلاً ثم كانت العودة. في هذا الحي ستدور الأحداث إذ يضعنا الكاتب في اطار جديد يفرض علاقات جديدة وتعاملاً من نوع آخر، بل قل مختلفاً الى حد التناقض مع ما كان يحصل في الماضي القريب. فيطلعنا على يوميات حي شعبي من خلال شخصيات متنوعة تحمل في كيانها مخزوناً هائلاً من الآلام والطيبة.

ما يلاحظ منذ البداية هو ابتعاد الكاتب من منطق البطولة المطلقة. فكل الشخصيات ابطال في شكل او بآخر، وهذا يعود الى وفائه لمنطق ربما يخطه وحده في الكتابة الدرامية ألا وهو عدم تحميل الشخصية اكثر مما يمكنها تحمله. ففي كل حلقة نلاحظ تركيزاً على شخصية معينة إذ يعطيها المجال للكشف عن هويتها متمثلة في همومها وأحزانها الخاصة. يكشف لنا الكاتب ان الجانب المظلم والجانب المضيء في الشخصية وهناً نراه وقد ابتعد من النظرة الأحادية التي تعتمد على منطق الشرّ المطلق او الخير المطلق.

شخصيات المسلسل يتنازعها هذان القطبان وهذه هي الواعقية التي تتعامل مع الإنسان ككل لا كجزء من "الكل" متناقض، غير متجانس لكنه ينحاز في النهاية الى النظرة الإيجابية للحياة.

ربما كانت الحارة هي البطل الحقيقي للمسلسل فهي المكان الذي فيه دارت غالبية الأحداث. الحارة بمفاهيمها المفتوحة طوال اليوم بطيبة اهلها على رغم قساوة الظروف كانت الثراء الذي اعطى هذا العمل كثيراً من الصدق ما مثل شكلاً راقياً في احترام المشاهد. لأن كل شخصية تحمل في طياتها ما يبرر العمل الذي تقوم به وهذا مهم جداً لنجاح اي عمل درامي. لأن الإتيان بحلول غير واقعية بالمرة يضع حاجزاً سميكاً بين العمل ومشاهديه. لم يكن الكاتب اسامة انور عكاشة مدفوعاً لخوض قتال تقبله شخصياته إذ تركها تمارس وجودها في حرية كبيرة حتى النهاية. فبائع "البراك" الذي وصله خبر وجود ابنه في احد السجون الأوروبية بقي يعاني من هذه المأساة الى نهاية المسلسل. اما الإضافة الجديدة التي لاحظناها فهي التالية: إذا كان مسلسل "ارابيسك" الذي انتج في بداية التسعينات حمل اضافة مهمة وهي العودة غير المعتادة للمحامي في التلفزيون فإن هذا المسلسل حمل لنا صورة اخرى للطبيب الدكتور شلبي. للمرة الأولى نشاهد طبيباً مختلفاً، يحمل كثيراً من المثل التي بقي متمسكاً بها الى النهاية. اضافة الى كل ما تقدم كانت شخصية هذا الطبيب شعبية بمعنى انها تتعامل مع الطب من منطق الهواية والحب الذي هو ارقى اشكال النبل في هذه المهنة فلا اجرة محددة ووقتاً محدداً للعمل.

قصة الحب

كذلك لم تكن قصة الحب في هذا العمل محكومة بصورة ألفناها في الكثير من الأعمال الدرامية العربية بل كانت مختلفة، لأنها تخلصت من الشقة والمهندس والنهايات السعيدة بإقامة افراح الزواج بين الثري والفقيرة او العكس. هنا نحن امام قصة بسيطة ربما امتلكت قوتها وصدقها من هذه البساطة فهي التقاء بين شاب مهدد بالسجن وفتاة تحاول النهوض بعائلتها من خلال تضحيتها بكل شيء.

ابتعد الكاتب عن الرومانسيات الكاذبة واعتمدنا الواقعية فكانت القصة اضافة جميلة لتزيد من جمالية المسلسل وتخفف على المتفرج مأساة الأبطال. تخلص الكاتب من الأماكن المغلقة كالنزل الفخم بل كان الإطار هو الحارة وكان الزمان دائماً في الليل. انتصر المؤلف للعلاقة التي انشأها بين جمال وعلا محمد رياض وبسمة إذ كان الطلاق بين جمال وزوجته السابقة هو العقبة امام العلاقة لكن كاتبنا كان مع الطلاق وهو ما حصل على عكس ما نراه في بعض المسلسلات إذ يحصل التضحية بالحب في سبيل العائلة في غالب الأحيان.

"اميرة في عابدين" إبداع جميل يضاف الى تلك الشمعات المضيئة في تاريخ الدراما التلفزيونية العربية على رغم قلتها التي تحتاج كثيراً الى إبداع من هذا النوع خصوصاً في هذا الظرف. وهنا نتساءل. ألم يفكر الكتّاب والمخرجون، في ماذا فعلت الأعمال الدرامية "الكاذبة" بمعنى التي لا تحمل هموم الشارع العربي الى هذا المواطن حتى ترتقي بمقاييسه الجمالية؟ منذ نصف قرن وهؤلاء ينتجون ويكررون ماذا غيّروا فينا خلال هذه المدة؟