امرأة أو أكثر "دية" الرجال الطائشين . شابات عراقيات ضحايا "الفصل العشائري" 

علي عبد الأمير |

لم تتوقع الطالبة في قسم علوم الحياة في كلية العلوم جامعة بغداد ان تكون مادة لمساومة تطيح حياتها والى الأبد، حين أقدم شقيقها الذي يعمل في احد معارض السيارات في العاصمة العراقية على قتل احد شركائه بعد خلاف على صفقة. صارت أ.ج. التي بدأت سنتها الثانية في الجامعة، "فصلية" بحسب التعبير العشائري السائد حتى بين اكثر حصون "المدنية" منعة في العراق هذه الأيام، أي انها أصبحت "ديّة" القتيل وعليها الرضوخ لمشيئة "الفصل العشائري" الذي لم يكن امام عائلتها الا القبول به لا سيما انه بات مع ضعف حضور القانون في البلاد منذ سنوات، الحاكم الإجتماعي والإنساني حتى داخل المدن.

حمى "الفصل العشائري" التي اصابت جسد المجتمع العراقي تحاول سبغ "طابع ديني وقيمي اصيل" على قضية تقديم المرأة بصفتها "دية" كما تم ذلك قبل أشهر وفي منطقة "حي الشرطة الخامسة" في ضواحي بغداد، فكان "الفصل العشائري" عن قتيلين شقيقين هو عشرة ملايين دينار وفتاتين ديتين" سيقتا الى مصير لم تتدخلا ولو بشعرة في تحديد ملامحه.

الشيخ جاسم المهدي رئيس عشيرة "آل شحيل/ البومساعد من بني مالك"، قال لصحيفة "الزوراء" الأسبوعية الصادرة في بغداد ان "في قضية الفصل بالنساء جانبين انساني واجتماعي لا نستطيع التغاضي عنهما وقد يدفعا في ما بعد الى الصلح وتوطيد العلاقات عملاً بالآية الكريمة ]وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم[. فالعشائر ولدت منذ وجود الجزيرة العربية، لها عادات وتقاليد وسنن من خلال تواجدها في مجموعات عشائرية. ولا بد ان تكون هناك نزاعات سواء على الماء او الكلأ او الرعي والصيد والزرع وغير ذلك فتجتمع العشيرتان المتخاصمتان واطراف من العشائر الاخرى التي تسكن المنطقة نفسها من اجل فض النزاع وفق عادات العشائر وتقاليدها التي امتدت منذ اكثر من الف عام ويكون الفصل بالمال او عدد من النساء الذي يتراوح بين 1 و7 نساء ويصل العدد الى 50 امرأة اذا كان المقتول رئيس عشيرة او ذا جاه كبير لدى العشائر. وتسمى المرأة "فصلية"، فالمرأة الاولى يتزوجها شقيق المقتول او ابنه او ابن عمه وتليها بعد فترة المرأة الثانية التي تسمى "التِلْوِيّة" اي التالية وتوزع الاخريات على بقية ابناء "الفخذ" من اقرباء المقتول، والزواج هنا يتم من دون مهر معجل او مؤجل".

وتوضيحاً لما يشاع عن ان "الفصليات" من البنات تتم معاملتهن بقسوة عند اهل القتيل من دون ذنب سوى انهن اخوات او بنات القاتل او بنات عمه، يقول شيخ العشيرة: "لا تتمتع" الفصليات بحقوق النساء المتزوجات بشكل عادي، فـ"الفصلية" تبقى رهن اشارة الزوج ويمنعها من الذهاب الى اهلها، ويحط من كرامتها دائماً بالضرب والاهانة من جانبه او من قبل حماتها او عمتها والدة الزوج! ويخفف عنها هذا العبء الثقيل عندما تنجب عدداً من الابناء".

ومع كل هذا العسف، يؤكد الشيخ، "يوجد جانب اجتماعي ايجابي لاخذ النساء بالعرف العشائري فعندما تتصاهر العشيرتان المتخاصمتان وتختلط دماؤهما من خلال الاولاد تعتبر العشائر ذلك تخفيفاً نفسياً لأهل القتيل وبمرور الوقت من الممكن ان يسمح للفصلية بزيارة اهلها وقد تعود المياه الى مجاريها بين الطرفين".

ويبدو ان تفاصيل "الحل العشائري" تنفتح على تعقيدات حسب العراقيون انهم بعد عقود من بناء الدولة الحديثة، تجاوزوها بلا رجعة، فهناك فصل يسمى "سودة" وهذا الوصف يطلق على القضية التي يقوم فيها المعتدي بخطف فتاة او الاعتداء عليها، اذ يتحمل نتائجها وحده مع اهله دون عشيرته التي كثيراً ما تتبرأ منه، فإذا انكر انه خطفها ويعثر عليها لاحقاً، حينها يطالب اهلها بأربع نساء "فصل مربع" او مبلغ من المال واذا تعرضت الفتاة للاغتصاب يقوم اهلها بقتل المعتدي ويأخذون فصلاً من عشيرته والبنت يزوجونها لابن عمها او أحد اقربائها الآخرين أما اذا هربت الفتاة برغبتها مع رجل تسمى "النهيبة" او "المنهوبة" وهنا يحاول اخوتها ان يقتلوهما معاً "الناهب والمنهوبة" بعد البحث عنهما، واذا لم يتمكنوا من قتلهما يأخذون الدية من عشيرة الرجل واذا قتلوا البنت من دون الرجل لهروبه يأخذ اهلها دية انسان مقتول من اهل الناهب.

ويرى استاذ "الشريعة والفقه الاسلامي" الدكتور احمد عباس العيساوي ان "الشريعة الاسلامية اوجبت الدّية للمقتول او لورثته جبراً لخواطر الذين فقدوا معيلهم فجعلت الدّية كأنها اكرام من الله سبحانه وتعالى للورثة ولم يشترط المشرع العظيم ان تعطى امرأة كجزء من الدية لان الانسان الحر لا يباع ولا يشرى إذ قال سبحانه وتعالى: ]ولقد كرمنا بني آدم[ فالتكريم للانسان انه لا يباع في حياته ومماته ولكن اعتادت بعض العشائر العراقية ان تأخذ "امرأة فصلية" كدية، وهو في الحقيقة زواج جاء من طريق الجبر والقهر سواء أرضيت الفتاة ام لم ترض وإسلامنا الحنيف لم يعط ولي الامر تخويلاً في ان يجبر ابنته على الزواج من شخص معين".

ويتساءل استاذ الفقه: "كيف يحق لرئيس او شيخ العشيرة ان يعطي فتاة من عشيرته دية عن مقتول فإسلامنا الحنيف يأبى هذا العمل ويرفضه"، موجهاً دعوته الى شيوخ العشائر الى التخلي عن تقليد "دّية النساء" قائلاً: "ندعو العشائر جميعاً برؤسائها وشيوخها ان يتركوا هذه العادة السيئة التي لا تقرها العشائر الحقيقية التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وان يتركوا كلمات مهينة يتلفظون بها في مجالسهم عندما يذكرون المرأة كأن يقول احدهم "انها امرأة... اجلّك الله" وكأنها شيء لا قيمة له، فالمرأة هي شقيقة الرجل وزوجته وامه ولا يمكن للإنسان ان يعيش من دونها، فمكانة الرجل وكماله في ملبسه ومكتبه ووظيفته وعلمه وشخصيته العامة هي المرأة وقد اجملها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "الدنيا متاع وخير متاع الدنيا امرأة صالحة".