محفورات الالماني أوتو ديكس معرضاً مشاهد تستوحي جحيم الحرب العالمية الأولى 

مـهى سلطان |

"الفنان عين العالم ولكن ينبغي عليه أن يذهب إلى ابعد من المرئي" قالها مرة الفنان الألماني أوتو ديكس 1981-9691 وباتت شعاراً لمرحلة الحرب، التي شهد عليها برسومه ثم بمحفوراته التي طبعها خلال أعوام 0291- 4291، إلى أن ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بإنتاجه ذي الصبغة الواقعية الانتقادية، التي كرسته واحداً من رواد التعبيرية الألمانية.

والمعرض الذي نظمه المركز الثقافي الألماني لمحفورات أوتو ديكس في صالة الاونيسكو في بيروت، يفتح الجراح التي لم تندمل، على مشاهد الحرب التي ما زالت تدور رحاها في العراق وفلسطين وسواهما من بلدان العالم الثالث، كموضوع راهن ومؤلم تتلقفه أعيننا يومياً من على شاشات التلفزة. فهي عبارة عن نصوص بصرية كابوسية، تدين الحرب وأشكال العنف والفاشية. إذ تروي بتسجيلية حارة ومتدفقة، مجريات حياة الجنود على الحدود تحت وابل القصف، وخلف المتاريس وفي الخنادق. تترصد الخوف في العيون، وتلتقط حركة تنقلات الجنود أثناء المداهمات أو عند تغيير المواقع، تحت جناح الظلام الدامس، كما أنها تصور وجوه القتلى والمصابين. وفي بصيص النور يتراءى الجنود نياماً في أسرتهم الأفقية شبه أموات، والساهرون منهم يقتلون الوقت بلعب الورق. فالظلمة هي حقول الدمار المشكلة من أحجام وغوامض وأقدار تائهة، تنكشف تحت لمعان الضوء الخاطف، في علاقات الأسود والأبيض، تتدرج أو تتناقض، تتموه وهي تغوص، كي تشير إلى يوميات الفنان الذي استبدل البندقية بالقلم والورق، كما استبدل مواجهة الموت بالدفاع عن الحياة.

ينقسم المعرض إلى مرحلتين: محفورات تشهد لوقائع الحرب العالمية الأولى حين كان الفنان مجنداً على جبهات فرنسا وهولندا وروسيا ما بين أعوام 4191 و8191، وأخرى ذات طابع انتقادي اجتماعي ساخر هي المرحلة التعبيرية التي عكست نتائج الحرب خلال أعوام 0291 و4291. هكذا ينتقل أوتو ديكس من الوصف التسجيلي المباشر إلى الوعي والرفض والسخرية. وفي هذا الانتقال نجد تغيّرات أساسية في ماهية الرسم وغايته: من الأمانة إلى الشكل الإنساني إلى التشويه المقصود للملامح بغية إظهار العنف والقوة والتوحش والقتل والجنس الرخيص والعبث حين كانت الحقيقة هي العبث بعينه.

وصف ديكس جنون الإنسان عاكساً صفاته الحيوانية وتشوهاته الداخلية بأسلوب ساخر وكاريكاتوري مدهش. فالانتقام والاحتقار، وعنف الغرائز والشهوات وازدراء الجسد، هي العوامل التي دفعت أوتو ديكس إلى قاع المجتمع، كي يرسم النساء البدينات المترهلات المتصابيات في أماكن اللهو. فظهرت نماذج النساء بالقبعات، والغانيات المدخنات، في أنواع من العلاقات تعكس اليأس من الحياة، أو ربما الهروب منها إلى نوع من الانتحار تحت شعار التحرر، مما يبرر وجود سمات القرف المنفر، وارتباط جرائم الحرب بجرائم الجنس. فالموت العبثي واللذة والعنف هي الموضوعات التي خاطبها الفنان في تصويره لمشاهد ترفيه الجنود بين أحضان العاهرات وبيوت الدعارة.

أوتو ديكس عنيف واتهامي تحريضي، قطف موهبته بين الجبهة والحانات وعلب الليل. وجد لغته الفنية في السخرية، حين كانت السخرية والنقد الاجتماعي والسياسي، هي سمات المرحلة من صعود فن الدادا في زيورخ بعد الحرب الأولى: الشاعر تزارا وهوسمن وغروس وهارتفيلد وسواهم من الدادائيين. هؤلاء الفوضويون الثائرون، الذين رفضوا الصيغ التقليدية للفن والمجتمع، وطوروا أشكالاً جديدة من التعبير عن العبث والدعابة السوداء والواقع السياسي، فأدخلوا إلى اللوحة، بعيداً من وسائل الرسم العادية، عناصر واقعية من أقمشة وورق وأشياء هامشية، كي تدخل في ما يسمى بالفوتومونتاج.

كتب أوتو ديكس انفعالاته الصادقة إزاء الحرب بدقة وشاعرية متناهية. تمكن من تسجيل كل ما يثير انتباهه في وجوه زملائه البهيمية ومشوهي الحرب الأشاكس والضباط المتغطرسين. حفر يومياته بيديه، كما كانت تُحفر الخنادق، أسبغ عليها ألوان سحابات الدخان الرمادية في الليل الراعب. وجد في لغة الحفر على صفائح الحجر، خصائص اللون الأسود وأنواع الاضاءات المموهة، الشبيهة بالأنوار الخافتة التي تنبعث من مصابيح الأقبية الأرضية. الحياة تحت الأرض، في الخنادق الدائرية التي وصفها بأنها عيون الأرض. وهو من أكثر الفنانين الذين طُبعت أعمالهم بكوابيس الحرب، ومن أكثر الذين عكسوا الرعب والفاشية والموت المجاني. هذه الرسوم التي استعادها ديكس عام 4291، بعنوان"تقارير عن الجحيم"أثارت الأسئلة نفسها التي سبق وأثارتها رسوم غويا عن الحرب الأسبانية، بمناخاتها الدرامية وغرائبيتها الفنتازية.

فن أوتو ديكس على صلة وثيقة بفن ادوار مانش وارنست كيشنر في ترصده لحركة الشارع ومشوهي الحرب. فقد عرض ديكس التشوهات الخارجية والداخلية للإنسان، ربط بين جرائم القتل والغرائز المحمومة. سعى لإبراز تناقضات المجتمع، بسخرية لاذعة، فكانت من نتائج الحرب أنها فضحت كل شيء في العلاقات، حتى العلاقة بين الرجل والمرأة. هكذا تحول الفن ممثلاً للمأساة الإنسانية، كما تحول وسيلة للنقد الاجتماعي والاحتجاج ضد الحرب والطبقة الحاكمة.

في رسومه وأعماله التصويرية بخاصة في لوحته الثلاثية"الحرب"صوّر اوتو ديكس نفسه مع رفاقه في مشهد مستعاد من جبهة الحرب، بأسلوب متميز، إرتبط من جهة بتقاليد التعبيرية الألمانية، مقترباً من جهة أخرى من بعض فناني النهضة الألمانية أمثال غرينولد، بما يمثله من براعة في التشخيص ودقة في رسم التفاصيل. وهو في مرحلته التي صوّر فيها الحياة في برلين ودرسدن، رسم الشوارع وواجهات المحلات، ترصد عبور الناس على الأرصفة، من شحاذين وبغايا وعاطلين عن العمل ومشوهي الحرب العاجزين وبائعي عيدان الثقاب، ليغوص في انتقاد الطبقة البورجوازية من خلال تصوير الإباحية في علب الليل. فالتوجه نحو الإباحية والطابع الجنسي لبعض الأعمال، كان يخفي أغراضه الهجومية ضد الطبقة الحاكمة، لذلك رُفضت أعماله رسمياً لوقاحتها ولأنها تسيء إلى اللياقات وآداب السلوك الخاصة بالشعب الألماني.

نشأ اوتو ديكس على الولع بالرسم وإتقان الشكل الإنساني، مما يفسر وجود جزء كبير من إنتاجه مكرساً لرسم الوجوه بأسلوب يعتمد على التشويه المقصود والمبالغة في سبيل إيجاد التعبير المطابق لسمات الشخصية.

تموضع اوتو ديكس حين كان صغيراً كموديل أمام ابن عمه الرسام"فريتز آمن"واشتمّ باكراً رائحة الألوان الزيتية وأنواع المذيبات التي اختلطت في حواسه مع رائحة التبغ، منذ ذلك الحين قرر أن يصبح رساماً. درس في كلية الفنون التطبيقية في درسدن العام 9091، وعلى رغم براعته الأكاديمية في الرسم، مال إلى التعبير المتحرر، فكانت توجهاته الأولى نحو الطبيعة متأثـــرة بالانطباعيــة الفرنسيــة. ثم فتنه فان كوخ إثر المعــرض الـــذي أقيم لأعماله في درسدن عـــام 2191، كما أعجب بالوحشيـة والتكعيبيـــة والمستقبلية. شهد ديكس على كل هذه الاتجاهات المتعاقبة وتعاطف معها، لكن أسلوبه ظل حتى أواخر حياته منقسماً بين التعبيرية الألمانية والتقاليد الأكاديمية الواقعية للمعلمين الكبار. من مذكراته التي تعود للعام 2191 يقول ديكس:"مثلي الأعلى أن ارسم مثل معلمي النهضة المبكرة". اعتبر النقاد أن ولادته كفنان بدأت في أعقاب عام 8191، حين كانت الدادا في برلين هي أكثر الموجات الثورية مناهضة للنازية. فكانت مغامرته الفنية مغموسة بالواقع السياسي والفوضى والماركسية، واتخذت أعماله الواقعية شكلانية تشريحية عميقة لواقع المجتمع الألماني. فصورة الإنسان لديه هي لكائن حسيّ مكوّن من دراسات تشريحية مضغوطة، من شأنها أن تفجر نظامه العضلي والعصبي، فهي أقرب ما تكون إلى دراسات محمومة للطبائع الخفية، التي تنأى عن سطح الملامح إلى جوهر المضمون، سعياً إلى خبايا الحقيقة."لست فيلسوفاً بل أنا كائن يرى"، كما قال ديكس، الذي يدين فنه كثيراً إلى فعل الرؤية والاستنباط والنقد والتشريح الصادق للواقع.