هن وأثرهن - بريطانيتان ثائرتان على عبودية النساء ... فكرتا كالرجال وطالبتا باحترام المرأة 

جوسلين حداد الدبس |

هما فكرتا كما الرجال. صفة وعيب معاً ميّزا شخصية امرأتين من القرن الماضي. بريطانيتان، استعانت الأولى منهما بالثورة الفرنسية لتستخلص منها العبر والتحرر واحترام المرأة كإنسان، في عصر كان يعتبرها مواطنة من الدرجة الرابعة او الخامسة. اما الثانية فكانت صماء بيولوجياً ومفتحة الأذنين فعلياً لتستمع الى كل الطروحات الثورية الهادفة الى اطلاق فكر المرأة اينما كان في العالم، حتى اتهمت بأنها ذكورية في أنوثتها.

بريطانية وايرلندية ثائرة

ولدت ماري وولستونكرافت في لندن عام 1759 . طفلة ثانية بين ستة اولاد ومن ضمن عائلة بدلت ست مرات منزلها في خلال تسعة اعوام، وعانت من عنف الوالد الذي كان يعتبر ان النساء خلقن لاستعبادهن.

تنقلت في الريف البريطاني بين منطقة واخرى، الى ان استقر والداها في مزرعة في الووركشاير، حيث تعرفت الى قس ثائر في تفكيره وتحليله وأفكاره، كما الى صديقة عمرها فاني بلود. ولم تثبت العائلة هناك، لا بل استمرت في تنقلاتها وصولاً الى لندن لما بلغت ماري الثامنة عشرة من عمرها.

هناك، أصرّت على ان تكون لها غرفتها الخاصة كي تنصرف الى المذاكرة والقراءة، قبل ان تغادر عائلتها لتعمل رفيقة لأرملة شابة سعياً وراء كسب المال. الا ان صحة والدتها تدهورت، ما استدعى عودتها الى المنزل وبالتالي بدء ثورتها العارمة لتحاول اصلاح النظرة الذكورية الى دور النساء وحصرهن في مهمة الخدمة المنزلية من دون منازع. وما زاد في الطين بلة ان شقيقتها الصغرى إليزا تزوجت هرباً من عنف والدها لتقع في مكيدة العنف الزوجي. تزوجت رجلاً أمعن في تعذيبها ولم تعرف ماري بحقيقته وبالجحيم الذي عاشته شقيقتها، حتى ذهبت لتساعدها بعد ولادة ابنتها الصغرى. جعلتها تطلّق زوجها، ومن ثم توجهت معها ومع صديقتها القديمة فاني بلود الى منطقة ريفية بريطانية حيث أسسن مدرسة للبنات، ما لبثت ان ضمت ايضاً شقيقة ثانية لماري .

وبدأت ماري تلتقي كثيراً من المثقفين والأدباء الذين يعتبرون ثوريين بتفكيرهم التقدمي. توجهت الى باريس لتطلع على مبادئ الثورة الفرنسية. فزادت ثورتها عمقاً وتشعباً.

علمت ماري ان صديقتها فاني تزوجت وأنجبت ابنة صغيرة، الا انهما ما لبثتا ان توفيتا. فعادت الى مدرستها لتراها بدأت تتراجع. اقفلتها وكتبت اول عمل من اعمالها الكثيرة: افكار حول تربية البنات. وما لبثت ان شعرت بحاجتها الى كسب معيشتها بعدما اقفلت مصدر رزقها. فقبلت بمنصب مربية قادها الى ايرلندا. واستأنفت الكتابة. فأنهت اول كتاب للأطفال. وترجمت كتاباً ثانياً وارتبطت بالناشر الذي كان يتولى اصدار كل قصصها القصيرة.

وتزامنت الثورة الفرنسية مع انفجار ثورتها الداخلية الخاصة خصوصاً بعدما نشرت كتاباً بعنوان"مناظرة حول حقوق المرأة"، واصفة الرجال بأنهم"وحوش داجنة". كما نشرت كتاباً نسائياً ثانياً اعلنت فيه ان للمرأة ميولاً جنسية قوية، ومن المخزي التأكيد غير هذا الواقع.

واستهلت ماري جدلاً عنيفاً عبر كتاباتها مع من اطلقت عليهم اسم"المتزمتين". فكانت تصدر كتاباً رداً على اطروحة لهم، وهم كانوا ينشرون في المقابل، كتاباً آخر تعليقاً على ما تنشره.

وما لبثت ماري ان انطلقت الى باريس حيث التقت تاجراً اميركياً وقعت في حبه. عاشت معه في العاصمة الفرنسية، حملت منه ابنة... ورفضت الزواج الذي كانت تعتبره قيداً يكبل النساء بعدما رأت ما حل بصديقاتها من حولها، لكن شعورها لم يمنعها من ان تسجل اسمها كزوجة له في السفارة الاميركية في باريس،"لأسباب امنية فقط"، كما قالت.

عاشت سنة هناك، قبل ان يعود صديقها الاميركي الى لندن. لحقت به واكتشفت انه يخونها. هجرته وحاولت الانتحار مرتين من دون ان تنجح. سافرت الى النروج والسويد والدنمارك. عادت وكتبت كتاباً عن مشاهداتها، قبل ان تترك صديقها. تعرفت بعدها بقليل الى وليام غودوين. تزوجته بعد سنة في آذار 1797 بسبب حملها منه. وضعت ابنة في آب أغسطس من العام نفسه. وماتت بعد عشرة ايام بسبب التهابات حادة بفعل الولادة، مخلفة ارثاً ثقافياً غنياً لا يزال موضع بحث حتى اليوم.

هارييت مارتينو، امرأة ثانية كانت تفكر كالرجال. عانت منذ صغرها من مشكلة الصمم التي باتت نهائية لما بلغت العشرين من عمرها، ما جعلها تعاني من هشاشة توازنها العصبي الذي لم يمنعها من الافادة من الثقافة التي كان شقيقها يفيد منها كونه ذكراً ... ولأن ما من أحد ليرافقه الى المدرسة.

واضطرت لما بلغت الخامسة عشرة من عمرها لإمضاء فترة طويلة في منزل عمتها التي كانت تملك مدرسة في الريف البريطاني، وذلك بعد تدهور صحتها في شكل كبير.

هناك، تعرفت هارييت الى المدارس الثقافية الرائجة في بريطانيا وفي العالم، وأمضت وقتاً طويلاً في القراءة، بادئة كتابة مقالات عدة لمجلة شهرية في المنطقة.

ولما توفي والدها وشقيقها الأكبر تاركاً العائلة من دون اي اعانة مالية، اضطرت الى اعالة والدتها وشقيقاتها اللواتي اتكلن عليها في تأمين مصاريف اليومية، على رغم اعاقتها.

وبدأت تكتب بكثرة بغية تأمين المال اللازم للعائلة، متعاقدة مع دار نشر لهذه الغاية.

كتبت عن الاجحاف بحق المرأة وعن ضرورة مساواتها بالرجل، أقله لجهة توفير كل الفرص الثقافية التي تقدم له. فكانت تقوم بالواجبات المنزلية نهاراً وتكتب ليلاً. تستيقظ في الخامسة فجراً لتتمكن من انهاء كل واجباتها فيما شقيقتاها تنامان حتى وقت متأخر.

وما لبثت ان انتقلت الى لندن على رغم ارادة والدتها التي رأت فيها مصدراً مالياً ستفتقده. فكتبت ماري قائلة لوالدتها:"انا مواطنة من العالم، كما اي ابن متخصص كان سيكون لك".

ولم تلتفت هارييت الى الوراء، لا بل قررت ألا"ترهن فكرها"كما اكدت مراراً. فالتقت في العاصمة البريطانية كل المفكرين والثائرين البريطانيين، منضوية تحت لواء ثورتهم الاجتماعية. ونشرت سلسلة من الكتب الاقتصادية - السياسية في آن قبل ان تنتقل الى الولايات المتحدة في رحلة استغرقت سنتين، وتبعتها جولة اوروبية عمّقت آفاق تفكيرها وثقافتها.

ومما اسهم في زيادة ثقافة هارييت، تعرض صحتها في شكل متكرر لانتكاسات خطيرة كانت تضطرها الى ملازمة المنزل والانكباب على المطالعة والتثقيف.

ولم تقف هذه الصحة المتعثرة يوماً حائلاً امام نهم هارييت للسفر، لا بل كانت تستقل الباخرة كلما شعرت ان البعض من صحتها عاد الى جسمها النحيل.

من مصر الى فلسطين وسورية وكل بلدان اوروبا، كلها شكلت محطة مهمة في فترة ما من حياتها، كما استحوذت على موضوع من مواضيع كتبها الاقتصادية والاجتماعية الكثيرة.

وبقيت تكتب وتكتب الى ان شعرت عام 1855 ان صحتها بدت حقاً هشة بعدما عانت من مرض في القلب. فباشرت كتابة سيرة حياتها ومذكراتها معتقدة ان المنية وافتها. لكن طبعها المقاوم ابقاها على قيد الحياة لأكثر من عشرين عاماً من بعدها، امضت غالبيتها في مزرعة ريفية بعيدة عن المدينة، مؤكدة ان قوتها الأصيلة ليست سوى ارادة لا تقهر والبعض من الوعي الثقافي المشحذ، كما قالت... وربما الذكورية التي ميزت انوثتها الفريدة، كما قال صديقها وناشرها الوحيد.