نساء "وضعن رؤوس الأهل في الطين". في الريف المصري وحده الدم يغسل العار 

أمينة خيري |

هذه البنت وضعت رؤوس اهلها واقاربها في الوحل، وتلك جعلت أباها يمشي مطأطِئ الرأس في حيّهما، وثالثة وقعت في المحظور واضطرت عائلتها الى أن تشد الرحال بعيداً من البيت الذي قطنت فيه طوال حياتها، واخرى لم يجد شقيقها وسيلة لغسل العار إلا بالتخلص منها ومواراتها التراب الذي دنست به سمعة أهلها.

المذهل أن 79 في المئة من "جرائم الشرف" التي شهدتها مصر بين عامي 1998 و2001 كان سببها الرئيس الشك في السلوك، وجاء اكتشاف الخيانة او اعتراف الضحية في المرتبة الثانية بنسبة تسعة في المئة، تليه الرغبة في منع إظهار العلاقة مع العشيقة سواء كانت عشيقة الجاني أو عشيقة أحد اقارب الجاني بنسبة ستة في المئة، وستة في المئة اخرى لأسباب مثل زواج الأم عرفياً أو رغبتها في الزواج، أو اعتداء الاخ على شقيقته جنسياً، أو الاب على ابنته وظهور علامات الحمل عليها.

هذه الاحصاءات كانت نتيجة مسح صحافي، وثّقه كل من "مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحافية والمعلومات" ووحدة التوثيق والمعلومات في "مركز قضايا المرأة المصرية" عن "جرائم الشرف".

هذه النوعية من الجرائم لفتت انظار القائمين على مركز قضايا المرأة المصرية، التي تصفها مديرته العامة الدكتورة عزة سليمان بأنها "إحدى قضايا حقوق الانسان ونتيجة للازدواجية التي يعانيها المجتمع المصري". وتوضح هذه الازدواجية بقولها: "في الوقت الذي يتخلى فيه الرجل عن شرفه لإتمام صفقة بيع ابنته للزواج من رجل ثري، يغسل عاره إذا اقامت ابنته "علاقة غير شرعية" وفقاً لمفاهيمه وازدواجيته".

المادة 17 من قانون العقوبات المصري تخفف من الاحكام القضائية إذ تجيز استخدام الرأفة بتبديل العقوبة من الإعدام الى الأشغال الشاقة المؤبدة أو الموقتة، ومن الاشغال الشاقة المؤبدة الى الموقتة أو السجن، ومن الموقتة الى السجن أو الحبس.

ومبررات القضاة في هذا التخفيف كما توضحها سليمان هي أن المتهم كان حبيساً للضغوط النفسية، وأن المجني عليها خرجت على القيم الريفية السائدة، وأن المتهم "غسل عاراً ألحقته المجني عليها بأهلها".

الرئيس السابق للمحكمة الدستورية العليـا المستشار الراحل الدكتور عوض المر كان يلاحظ في مثل تلك القضايا أن احكام المحاكم تمزج بين تطبيق القوانين الوضعية وبين الشريعة الاسلامية، وهما - في رأيه - أمران لا يختلطان، كما كان يلاحظ استعمال المحكمة في تلك القضايا نص المادة 17 من قانون العقوبات التي تخول القاضي حق النزول بالعقوبة الى الحدود الدنيا المنصوص عليها.

وفي قضية النيابة العامة رقم 5158 لسنة 1997 اطمأنت المحكمة على توافر نية القتل لدى الاب المتهم، لكنها نفت عنه توافر ظرف سبق الاصرار مقيمة قضاءها على ان "امتناع المتهم عن الطعام والشراب وإلقاءه التراب على وجهه لا يدع له مجالاً للتفكير الهادئ المتزن القائم على الرؤية التي تتيح له الاعداد لارتكاب الجريمة، وأنه كان حبيس الضغوط النفسية الهائلة التي لا يتوافر معها التصميم على الجريمة والإعداد لها وتدبُّرها من وجوهها كافة.

وكانت النتيجة ان اخذت المحكمة المتهم بالرأفة عملاً بالمادة 17 من قانون العقوبات وحكمت عليه بالشغل لمدة سنة واحدة، وامرت بوقف تنفيذ العقوبة، واستندت في امر وقف التنفيذ الى: ان الوالد لايقاد بولده أخذاً بالشريعة الاسلامية، وان ظروف الدعوى وملابساتها تفصح عن عدم عودة المتهم الى مثل هذا الامر.

على يد الزوج

الارقام تقول إن 41 في المئة من "جرائم الشرف" وغالبيتها في الريف تتم على يد الزوج الذي يشك في سلوك زوجته، ثم الاب الذي يشك في سلوك ابنته، يليهما الاخ الذي يشك في سلوك شقيقته بنسبة 34 في المئة، ثم احد الاقارب الذي يشك في سلوك إحدى القريبات.

تشير المحامية تهاني الجبالي في ورقة مقدمة الى مؤتمر نظمه مركز قضايا المرأة الى أن الاحصائيات تؤكد أن 79 في المئة من الجرائم التي ارتكبت للشك في سلوك المجني عليها. وتقول إن "القاضي الجنائي في جرائم الشرف يحمل العلم بالقانون، ويحمل ايضاً في وجدانه ثقافة المجتمع المصري وعاداته وتقاليده، لا سيما أن القضاء الجنائي هو قضاء وجدان بالدرجة الاولى".

والملاحظ أن "صحافة الحوادث" هي الاخرى صحافة وجدان، ويسيطر على محرريها وغالبيتهم ذكور ثقافة وأعراف المجتمع. وتوضح ذلك عدد من العناوين التي وردت في الصحافة المصرية: "يقتل امه بالاشتراك مع خاله لزواجها عرفياً من عمه، ويقتل ابنته لشكه في سلوكها"، "يقتل زوجته الشابة لكثرة خروجها من المنزل"... وقد يصل الامر احياناً الى "امرأة تستحق القتل" أو "المؤبد لذئب بشري اغتصب ابنته وعندما حملت قتلها ليمحو العار".

والمضحك احياناً أن يتابع صحافي احدى جرائم الشرف، وحين يرد في تقرير الطبيب الشرعي الخاص بالفتاة المقتولة انها "عذراء" يتخذ الصحافي العذرية دليلاً قاطعاً على براءة الضحية وأنها صانت شرفها وكأن تماسك هذا الغشاء هو الدليل الواحد والاوحــد على حُســن سيــر وسلــوك صاحبتـه.

وعلى رغم ان القرآن الكريم كرّم المرأة وساوى بينها والرجل، إلا ان تطبيق تعاليم الشريعة الاسلامية بعيد كل البعد عن ذهن الرجل المصري. وسبق وقال المستشار عوض المر إن "الرجل المصري ينظر الى القوامة التي يملكها على المرأة لا بشروطها المنصوص عليها في القرآن، وإنما بوصفها تسلّطاً عليها وتحكّماً فيها".

عميد المسرح العربي الراحل يوسف وهبي اشتهر بمقولته المشهورة "شرف البنت زي عود الكبريت" لانه لا يشتعل إلا مرة واحدة، لكن كلاً من الموروث الثقافي، والعلم الحديث، اضاف ويضيف المزيد الى تلك المقولة فعمليات "ترقيع غشاء البكارة" جعل شرف البنت يقيد مرة واثننين وثلاث. بينما الموروث الثقافي والتاريخي يرسخ العلاقة الوثيقة بين شرف الرجل وعلبة الكبريت، المفكر المصري الدكتور حسني حنفي كتب في مقال سابق ان "شرف الرجل علبة ثقاب لا تنتهي".