"المرابطون والأندلس" : الواقع العربي في مرآة التاريخ 

غسان حزين |

تعاود حمى تحضير الأعمال الرمضانية النشاط مجدداً، مسابقةً الزمن للانتهاء من الأعمال لعرضها قبل حلول الشهر الفضيل. لكن"قوى الطبيعة"عادة ما تأتي برياح"عاصفة"لا تشتهيها سفن الأعمال الدرامية.

شهد تصوير العمل الدرامي"المرابطون والأندلس"أحداثاً مثيرة في أولى جولاته التي بدأت قبل أسبوعين في المغرب، إذ اجتاحت مكان التصوير في منطقة الورزازات في المغرب عاصفة شديدة وأمطار غزيرة أدت الى انهيار الجسر الرئيس الواصل الى المنطقة، ما جعل فريق العمل يقضي ليلته في طرقات الورزازات.

وقال المخرج ناجي طعمي إن فريق العمل الذي حاصرته الامطار والسيول عاد الى العمل ثانية لاستكمال ما تبقى من مشاهد في العمل الذي وضع السيناريو له الكاتب جمال أبو حمدان.

ويأتي هذا العمل الجديد لأبي حمدان، بعد منع عرض مسلسله الأخير"الطريق إلى كابل"، وهو يقترب مرة أخرى من مناطق شائكة في التاريخ العربي في محاولة لقراءة الواقع عبر مراحل تاريخية حاسمة. وهو بانتقاله هذه المرة إلى تاريخ الأندلس، إنما يختار مشهداً تاريخياً غير ذلك المستهلك الذي يصف فترة الضعف والأيام الأخيرة أيام حكم ملوك الطوائف. إنه يتخذ من معركة الزلاقة مشهداً تاريخياً، بما تحمل من تحقيق للانتصار في تلك المعركة التي حددت مصير الأندلس.

وعلى هذا الأساس يرتكز هذا العمل الدرامي الملحمي، الذي يتناول المتناقضات التاريخية، بين مواقف الدول والأمم، في مواجهة تحديات التاريخ، وعواصف الأحداث. فتلك المرحلة قادرة على إسقاط نفسها على المشهد العربي الحاضر: تحالف"الأعداء"على"العرب الضعفاء"البعيدين من ذواتهم والمتخلين عن مقومات النجاح والنصر. وهذا المشهد التاريخي الذي تتصدره صورة القائد يوسف بن تاشفين يقدم صورة واضحة عن رسالته التي تقول في ما تقول إن عوامل تفكك الدول وانهيارها وإنهزامها كامنة فيها، بابتعادها عن قيمها وتخليها عن عقيدتها وتنكرها لأصولها، ما يؤدي إلى تصدع أركانها وانهيارها وبالتالي إلى ضعفها، وانحنائها أمام العدو الطامع.

على أن الإسقاطات التي تلجأ إليها الأعمال الدرامية العربية إجمالاً ليست هي أساس"المرابطون والأندلس"، بقدر ما هي تلك الأحداث الدرامية التي تزخر بها تلك الفترة، والقادرة على أن تصير عالماً درامياً شيقاً.

لذلك يستند العمل في بنائه الدرامي الى ثلاثة محاور رئيسة، أولها دولة المرابطين، منذ بداية تكوّنها، حول الجهاد، لتصبح الدولة القوية الراسخة البنيان، بعدما كان المغرب قبل نشوئها في حال من الفوضى الشاملة. فيما يرصد المحور الثاني الممالك الإسبانية التي وحّدها بعد فرقة، عداؤها للإسلام ومسلمي الأندلس، عرباً وبربراً، فأشعلت حروب الإسترداد للقضاء على ممالكهم، وعليهم. ويتناول المحور الثالث حال الأندلس، في انهيارها وانقسامها ممالك ودويلات متناحرة في ما بينها، طامعة كل منها بالأخرى، فيما هي ضعيفة ذليلة أمام العدو الإسباني الذي يخضعها ويذلها، تمهيداً للقضاء الكامل عليها.

وعبر هذه الخطوط التاريخية والدرامية، يتنامى الحدث ليصل إلى ذروته، ليعود إلى معركة الزلاقة الشهيرة حيث تلتقي المحاور الثلاثة، وتتشابك مصائر شخوصها. فملوك الطوائف يستنجدون بدولة المرابطين، فينقذونهم في معركة الزلاقة فينتصرون على الجيوش الإسبانية بقيادة الملك ألفونس، قبل أن تتجدد المعركة بين المرابطين وملوك الطوائف بإلحاح شعبي، وتنتهي بسيطرة المرابطين على الأندلس.

على أن كثرة الأحداث التاريخية والشخصيات التي تظهر فيه لن تمنع العمل كما يقول المخرج، من الغوص في علاقات إنسانية بين أبطال تلك المرحلة، كعلاقة الملك الأندلسي المعتمد بن عباد وزوجته إعتماد الرميكية، التي تقاسمه حلو الحياة، في عزه، ومرها في ذله ونفيه، وعلاقة بن تاشفين بملوك الطوائف وملك الإسبان ألفونس.

وتمتد الأحداث الزمنية التي يرويها العمل أكثر من نصف قرن، ما يعطيه"بعداً"زمنياً يضاف إلى البعد الجغرافي الذي يتميز به سيصور العمل في الأردن وسورية بعد الانتهاء من التصوير في المغرب، إضافة الى غنى العمل بالفنانين الذين يشاركون فيه، وجلهم من سورية والأردن والمغرب ولبنان والسعودية، ومنهم رفيق علي أحمد وسلمى المصري وعبدالهادي الصباغ وعبدالرحمن آل رشي وهاني الروماني وباسم ياخور ومرح جبر ونبيل المشيني ومحمد القباني، اضافة الى فنانين آخرين.

والعمل من إنتاج"المركز العربي للخدمات السمعية البصرية"، وهي الشركة التي تعاونت مع المؤلف جمال أبو حمدان في مسلسل"الطريق إلى كابل"الذي منع عرضه العام الفائت.