ممدوح عزام في "أرض الكلام" : صدى خيبات وتواريخ منسية 

إبراهيم حاج عبدي |

بعد ثلاث روايات هي"معراج الموت"و"قصر المطر"و"جهات الجنوب"يواصل الروائي السوري ممدوح عزام في روايته الجديدة"أرض الكلام"دار المدى، 2005 ، توثيق"الذاكرة الحالكة"لجماعة تعيش على تضاريس قاسية، وقلقة في الجنوب السوري جماعة تبحث عن صوتها الخاص، وتتمسك بتراثها وقيمها المتشكلة عبر الأزمنة.

لا يهدف عزام إلى التركيز على خصـــوصـــية ما للدروز كالطقوس والشعائر الدينية. هو يعنى، قبل ذلك، بالمصائر والأقدار والشخصيات التي تجد لنفسها حيزاً في روايته الجديدة، بمعزل عن انتمائها العقيدي. يصغي عزام إلى صوت أحلامها وصدى خيباتها، متسلحا بقلم رشيق وبلهفة ترجعه إلى قراءة صفحات الذاكرة البعيدة إذ يشترك في تدوينها ثلاث رواة هم الراوي الرئيس ـ توفيق الخضرا وابنه فيصل الخضرا. يسلكون معاً الدروب المشرعة على المدى، يقتفون في تعرجاتها آثار خطوات من رحلوا، وصنعوا في نهاية الخمسينات ومطلع الستينات التراجيديا التي تروى الآن، في محاولة لإعادة تجميع ما تشظى وتفكك من الصور والمشاهد والأحداث التي وقعت في بلدة السماقيات"الفقيرة، المتهالكة التي تكاد تضيع على حافة الأرض".

تتداخل الحكايات في متن الرواية وتتشابك، مثلما تتشابك خيوط الزمن، فعلى رغم تحديده في مستهل كل فصل لكنه يبقى دائرياً ومغلقاً يستمد معناه الأعمق من مرارات القحط، ولعنات الجفاف. يستحوذ المكان بمفرداته وعناصره وثقافته على أجواء"أرض الكلام"المنهوبة للصراعات، والدسائس والجوع والقهر والهجرة، والهزائم والخيبات... وكذلك الحب الذي يلف تباشيره"عواء أزرق معطوب"صادر عن روح معطوبة لبطل الرواية كريم في استدعائه السري المؤلم لحبيبته"محمودة"التي هجرته إلى بيروت هرباً من الفقر مثلما فعل كثيرون منذاك وصولاً الى تاريخ مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري الذي كشف عن جانب من المأساة المستمرة. يجد العاشق"الشيوعي"القادم من طفولة البرد والضياع والذئاب.. نفسه وحيداً، في فوضاه وشروده، وأحلامه الحارقة المتطلعة إلى ثورة تغير وجه العالم وتلغي الفوارق الطبقية وتحرق بلهيبها السماقيات والمنارة والحفائر والصخرات، وعين الزبدة... وجميع القرى والبلدات المتناثرة هناك على سفوح الصخور السوداء الصلدة، العصية على الترويض.

والرواية إذ تتكئ على الأمكنة المهملة والمنسية لتتخذ منها فضاء للحكاية المروية فإنها تغوص في الآن ذاته في دواخل الأفراد المسكونين بالوجد والضياع والأسئلة"الوجودية"المقلقة. أفراد يتلهفون إلى ساعة صفاء ليبددوا متاعب العمر. يروون هموم الحياة وأوهامها ومؤامراتها وانكساراتها البادية على ملامحهم وهم يتصارعون على صفحات الرواية: حليم الزهر المتدين الأرعن، توفيق الخضرا المعلم المثقف وابنه فيصل، عمار التوت السائق المتهور، لؤلؤة المرأة الثرية الباحثة عن الحنان المفقود، نازي حطاب المريض المولع بتوثيق الشخصيات بكاميرته، مسعود شمال المصارع الذي قادته ظروفه البائسة إلى بيروت ليعود ميتاً، زينب الزهر المرأة العانس النبيلة، كمال الشيوعي العاشق الخائب مثل رفيقه كريم، محمود الجزيري الثري"المديني"الجشع، حسن اللوف الذي يتاجر بمصائر البشر، لقمان لقمان، ابن مالك، عبود الزهر... وغيرهم ممن يتبادلون الأدوار على"أرض الكلام"، ويتواطؤون بسهولة مع مغامرة عزام في الكشف عن تواريخ منسية، وأحداث مؤثرة، ووقائع تغلي في داخل الفرد كذات هشة اكثر مما تظهر حية على ارض الواقع المفعم بالألم، الشحيح بالفرح.

ذلك هو المناخ الروائي الذي يسعى عزام الى رسم تفاصيله بروح لا تعرف الملل. يغوص في تاريخ أسلافه، وينقب في أرشيف الأسر والعائلات الذي علاه الغبار. يستحضر صاحب"قصر المطر"الأموات والأحياء والأطياف يستنطقهم كما لو انهم يمتثلون أمام محكمة التاريخ إذ يجبرهم على البوح والمكاشفة. يزيل عن وجوههم الأقنعة. يرصد تحولاتهم، ومشاعرهم وعداواتهم كأنما يعيد ترتيب الحياة التي عاشوها وانقضت. وهو إذ يتقصى أحوالهم وأقدارهم يجد نفسه سارداً لقصص وتواريخ أخرى موازية لهذا السفر الريفي البليغ، فيتحدث عن جمال عبد الناصر ومكانته السامية في قلوب البسطاء في زمن الوحدة السورية - المصرية التي تأخذ حيزاً واسعاً من الاهتمام، وعن نشاطات الحزب الشيوعي السوري الذي ينتمي اليه كريم احدى الشخصيات الرئيسة التي تعاني الهواجس والمخاوف في تلك الأزمنة العصيبة التي فرضت العمل السياسي السري. عن دور الحزب السوري القومي الاجتماعي والبعثيين. وفي الحوارات نسمع أسماء كان لها سطوة: ماركس، لينين، ايزنهاور، خروشوف، هتلر، خالد بكداش، فرج الله الحلو، كميل شمعون، عبد الحميد السراج، حسني الزعيم، أديب الشيشكلي، سامي الحناوي غيرهم.

وترسم الرواية صوراً لنفوس امتحنها القحط في سنوات سابقة، وترك على ملامح أهل البلدة وشماً غامضاً يتوق الى المطر الرحيم، عدو الفقر، والفاقة التي دفعت الكثير منهم للرحيل إلى بلاد الاغتراب الى بيروت وأميركا اللاتينية...هذه لم تكن أكثر رأفة بهم من بلدة السماقيات، فيصور خيباتهم وأحلامهم غير المحققة. يتحدث عزام عن المتدين، والثوري والجشع والنبيل والعاشق والحالم والمعتوه... يتنفس وسط هذه الحيوات المتشظية في غبار الكلمات ويطلق العنان لمهارته السردية على أرض تصلح لفضيلة الروي. يوجه تحية صادقة لشخصيات سافرت، وارتحلت وانتظرت وعشقت وخانت وناضلت... ولم تكن تعلم أن أحداً من أبنائها سيأتي ذات يوم ليعيد ترتيب هذه الحياة الصاخبة، المنسية بين ثنايا"اللجاة"القاسية، المليئة بالخيبات والأفراح والانكسارات...

الرواية تنطوي على أفكار ومقولات عدة وتزخر بتجارب إنسانية غنية. وربما تشكل اختزالاً سردياً لتجربة الكاتب ذاته. هي أشبه بنوع من الحنين إلى ماض يعبر عن نفسه عبر الكلام المتدفق المكتوب بنبرة الحزن والأسى. لا تنطوي على حكاية بعينها إنما هي شذرات متباعدة. مقتطفات من تفاصيل أكثر غنى يصعب معها الوصول إلى مقاربة دقيقة للرواية. إذ تتداخل فيها الأزمنة والحالات والمشاعر والتأملات. وهي لا تعتمد التطور التقليدي للأحداث بل أن ذلك مرهون بالرؤية الذاتية للراوي، أو الرواة ـ بتعبير أدق ـ الذين يتناوبون على اكتمال المشهد، ويسردون الأحداث من زوايا مختلفة، مع التركيز على ما يشير إلى خراب الروح، وانقضاء الأزمنة الجميلة. الرواة معنيون، وسط هذا الثراء، بترتيب هذا الفيض المتشابك من الأخيلة والآراء والأمزجة التي يمكن أن نستخلص منها مقولات كثيرة من دون أن نتمكن من المجازفة باختيار واحدة منها كتجسيد للقول الروائي. هي رواية مثلاً يمكن النظر إليها على أنها تتناول قصة حب مستحيل بين كريم ومحمودة، نبت بخجل خلف رداء الوجع الذي يتلفع به مسرح الأحداث، وكذلك يمكن تصنيفها على أنها مرثية لقيم الثورة، ومفاهيم النضال التي ينتمي إليها كريم وكمال. هي سيرة مكان. توثيق فني للوحدة السورية المصرية. إنها قصة مشاهد وأحداث وذكريات ولقاءات وأحلام مؤجلة تشكل في مجملها لوحة ملونة وموجعة تتخطى حدود بلدة السماقيات لتكون توثيقاً للألم في كل زمان ومكان. هي سيرة حياة شخصيات يتحدث عنها الراوي بضمير الغائب، تكاد تكون متناقضة في أهوائها وطموحها تفرقها المصائر والأقدار، وتجمعها"أرض الكلام".

بمعنى أكثر عمومية، يمكن تأويل الرواية على أنها استعادة لمرحلة زاخرة بالشعارات، والأحلام وسط المجاعات، والسجون، والخيانات...وهي مكتوبة بلغة تطغى عليها الغنائية، والنبرة الوجدانية حيناً، ويغلب عليها الطابع الفلسفي الوجودي حيناً آخر، وتنحو في أحيان أخرى، باتجاه الشفافية والشاعرية، وهي في مختلف هذه التنويعات تسعى إلى رصد لحظات حارة سكنت أروقة الروح التي لا تعلم ما تريد سوى أنها تسهب في البوح وكأنها تتغلب بالكلام على هزائم شهدتها أرض لا تقوى على البقاء والحضور سوى بالكلام.