السينمائي مبدعاً تلفزيونياً 

عبده وازن |

عندما تدخل"العين"السينمائية مجال الشاشة الصغيرة تختلف الصورة والرؤية وتبرز لغة بصرية جديدة بجماليتها وحركيتها... هذا ما خطر لي عندما شاهدت حلقة"نصف العذاب"من برنامج"قصتي قصة"الذي يخرجه إيلي أضباشي وتقدمه"المؤسسة اللبنانية للارسال"ال.بي.سي مساء كل إثنين.

يشعر المشاهد للوهلة الأولى أنه أمام عمل دراميّ مختلف كل الاختلاف عما اعتاد أن يشاهده، سواء على مستوى الرؤية الدرامية العامة أم على مستوى السيناريو والحوار أم على مستوى الصورة نفسها التي تخطت"الكادر"التقليدي منفتحة على التفاصيل المفاجئة واليومية. وقد يشعر المشاهد بما يشبه الصدمة في البداية، وهي صدمة يحتاجها فعلاً العمل التلفزيوني، بعدما وقع بمعظمه في الرتابة والتكرار. لكنّ هذه الصدمة لا تلبث أن تتحول إعجاباً أو اندهاشاً بما يحصل على الشاشة. حتى فعل الأداء هنا يختلف، وكذلك تلبّس الشخصيات والتعبير بالصوت وبالحركة... فالجسد هو أداة الممثل هنا وليس وجهه وتعابيره فقط. وهذا ما أتاحته عين المخرج التي تابعت كل التفاصيل المرتبطة بالممثلين وبعلاقتهم بالمكان والزمن.

ينتمي برنامج"قصتي قصة"الى ما يُسمى"تلفزيون الواقع"، فالقصص والأفكار مقطوفة مباشرة من الواقع الحيّ، وكذلك الشخصيات والحوارات والألفاظ والوقائع أو الأحداث... لكنّ المخرج نجح في تحويلها مادة درامية تعادل الواقع وتتحرر من ثقله وفجاجته، وفي هذا المعنى يعيد المخرج"انتاج"هذا الواقع صورياً ودرامياً جاعلاً منه ذريعة لبناء عمل فني يرتبط بالواقع بقدر ما يتمرد عليه، ساخراً منه حيناً و"مضخماً"إياه حيناً أو فاضحاً أسراره في أحيان. هنا يكتسب"تلفزيون الواقع"بعده الفني الحقيقي فلا يغدو العمل ضمنه مجرد محاكاة أو تقليد للواقع كما نمّت به أعمال الكثيرين الذين ادعوا هذه التجربة، بل يصبح فعل المحاكاة فعلاً ابداعياً يعيد المخرج من خلاله، النظر في معطيات الواقع وخفاياه.

واللافت في تجربة إيلي أضباشي تعاونه مع أكثر من كاتب لبناني لوضع السيناريو والحوار، الأمر الذي يغني حلقات البرنامج لغة وأجواء. وتعاون المخرج أيضاً مع ممثلين مختلفين يظهرون في ملامح غير مألوفة لديهم سابقاً، وبعضهم يدخل عالم التمثيل للمرة الأولى. ومن الكتاب الذين تعاون معهم: الروائي محمد أبو سمرا، الشاعر علي مطر، الصحافي سامر حجازي وسواهم. وفي الحلقة الثانية"نصف العذاب"أطل الممثل فادي الرعيدي المعروف بنزعته الفكاهية، اطلالة مفاجئة مؤدياً شخصية الرجل المخدوع والضائع بين"البيزنس"والحب، بين السياسة والهموم الشخصية... هكذا بدا عمل المخرج على الممثلين مختلفاً في أبجديته وملامحه...

ليس مفاجئاً أن يحقق ايلي أضباشي مثل هذه الخطوة البديعة في عالم الشاشة الصغيرة، بعد نجاحه في مسلسل"الرغيف"المستوحى من رواية الكاتب توفيق يوسف عواد وفي مسلسل"من برصومي"الذي كتبه الأديب سمير مراد. صحيح أن أعمال ايلي أضباشي التلفزيونية قليلة، لكنها من الأعمال الفريدة التي لا تغادر الذاكرة. فهذا المخرج الذي نشأ في عالم السينما لا يميل الى الإنتاج السريع والمرتجل، بل يعمل بهدوء وروية باحثاً عن الأجمل والأصعب.