ملف العلاقات السعودية - الروسية من عهد ستالين إلى عهد بوتين 

سليم نصار |

انتهت الزيارة الرسمية التي قام بها وليّ العهد السعودي الأمير سلطان بن عبدالعزيز، إلى روسيا بتوقيع اتفاقات اقتصادية وتجارية تتعلق بتوسيع التعاون المشترك في شتى الحقول.

كذلك شهدت الأيام الثلاثة الماضية محادثات سياسية مع كبار المسؤولين شملت حقبة التغيير والانفتاح عقب انهيار المنظومة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفياتي. وقد تناوب على اجراء هذه المحادثات المكثفة كل من الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الدفاع أناتوني سيرديكوف ووزير الخارجية سيرغي لافروف. وتركزت المحادثات على رفع مستوى التعاون وتمتين علاقات الصداقة التي ساعد على تطويرها الملك عبدالله بن عبدالعزيز عندما زار موسكو قبل أربع سنوات كوليّ للعهد. يومها تم توقيع اتفاقات اقتصادية عدة كانت كافية لتعزيز عوامل الثقة المفقودة طوال فترة الحرب الباردة. ثم جاءت زيارة الرئيس بوتين للرياض في شباط فبراير الماضي، لتفتح آفاقاً جديدة أمام تعاون الدولتين، خصوصاً في الجوانب المتعلقة بشؤون الطاقة. من هنا قول الأمير سلطان إن زيارته لموسكو تُعتبر تكملة طبيعية لمسيرة طويلة شارك في الإعداد لها ممثلون وديبلوماسيون ممن ساهموا في تحقيق الانفراج.

ويستفاد من مراجعة ملف العلاقات بين الرياض وموسكو، أن بوادر الانفراج بدأت عقب استخدام سلاح النفط في حرب 1973. وجاء تأييد الاتحاد السوفياتي لهذه الخطوة، كمدخل لتغيير لهجة التخاطب التي دأبت السعودية على استخدامها في المناسبات الرسمية. وأكبر مثل على ذلك أن الملك فيصل بن عبدالعزيز ارسل برقية في السابع من تشرين الثاني نوفمبر 1973، إلى زعيم هيئة المجلس السوفياتي الأعلى نيكولاي بودغورني، يُهنِّئه فيها بحلول الذكرى الـ56 للثورة البلشفية. وتزامن توقيت إعلان هذه البرقية مع أول زيارة يقوم بها هنري كيسنجر للرياض، الأمر الذي فسرته الصحف الأميركية في حينه، بأنه إشارة الى احتمال فتح علاقات ديبلوماسية مع النظام الشيوعي.

بعد اغتيال الملك فيصل، تجدَّدت هذه التوقعات سنة 1975، يوم صرح الملك خالد بن عبدالعزيز لصحيفة"صانداي تايمز"بالقول:"إنه يعتبر الاتحاد السوفياتي دولة عظمى يمكنها أن تلعب دوراً مؤثراً من أجل حل النزاع العربي - الإسرائيلي".

ورأت"صانداي تايمز"أن هذا الكلام يخالف الموقف الأميركي، الذي يحتكر عملية حل النزاع، ويستبعد الاتحاد السوفياتي من جميع التسويات. وقد زاد من احتمالات تنفيذ هذه الخطوة، تصريح آخر أدلى به ولي العهد يومها الأمير فهد بن عبدالعزيز، قال فيه"إن بلاده لا تمانع في تطبيع العلاقات الديبلوماسية مع موسكو وسائر عواصم الكتلة الشيوعية".

وفجأة، تضاءلت حظوظ تلك الاحتمالات بسبب الغزو السوفياتي لأفغانستان 1979، الأمر الذي جعل من السعودية عدواً بارزاً ساعد المجاهدين بتوفير المال وتأمين المتطوعين للقتال. وهكذا استمرت حال التوتر والخصام حتى شتاء 1988، أي عندما زار الأمير سعود الفيصل نظيره السوفياتي ادوارد شيفارنادزه، في موسكو من أجل البحث عن حل يوقف الاقتتال. وتوجه على اثر ذلك اللقاء، إلى المملكة مدير قسم الشرق الأوسط في الخارجية السوفياتية فلاديمير بولياكوف. وأُعتبرت زيارته حدثاً غير مسبوق لكونه أول شخصية سوفياتية تدخل المملكة منذ نصف قرن. وكان من نتائج تلك الزيارة أن التقى في"الطائف"وفد برئاسة يولي فورونتسوف وبممثلي المجاهدين الأفغان. وبعد انتهاء المحادثات استقبل الملك فهد الوفد السوفياتي، ووعده بإحلال السلام في أفغانستان شرط تحقيق الانسحاب. وفي 18 شباط فبراير 1989 انسحبت القوات السوفياتية، مفسحة المجال أمام إحياء العلاقات الديبلوماسية التي استقبلها الرئيس ميخائيل غورباتشوف بروح التغيير والانفتاح، وقد ظهرت هذه السياسة الجديدة بجلاء أثناء أزمة غزو العراق للكويت. وبدلاً من وقوف موسكو مع العراق باعتباره حليفاً في المنطقة، وزعت الخارجية السوفياتية بياناً أيدت فيه قرار مجلس الأمن رقم 662 الذي اعتبر ضم الكويت الى العراق، عملاً باطلاً وغير شرعي. ومن هذا الباب دخلت موسكو على دول مجلس التعاون الخليجي كقوة داعمة لأمن منطقة تحتوي على أضخم مخزون احتياطي للنفط.

صيف 1990 وصل الى موسكو الأمير بندر بن سلطان، وهو يحمل تفويضاً رسمياً من دولته تعرب فيه عن استعدادها لإقامة علاقات ديبلوماسية كاملة ورفيعة المستوى.

وبعد ستة شهور قام وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل بترجمة تلك الاستعدادات الى تطبيع تام للعلاقات الديبلوماسية. وعلى الأثر توجه الى الرياض وزير العلاقات الاقتصادية الخارجية قسطنطين كاتوشيف لينقل شكر دولته، ويطالب بضرورة تقديم المساعدة الى نظام جديد أعلن انفصاله عن النظام الشيوعي السابق. وأرسل الملك فهد وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل ووزير المال محمد أبا الخيل للاجتماع الى الرئيس غورباتشوف، وإبلاغه عن منح بلاده قرضاً مالياً غير مشروط مقداره أربعة بلايين دولار. وكانت تلك المنحة بمثابة المبادرة الاقتصادية التي فتحت آفاق التعاون في مختلف المجالات.

جرت العادة ان يبدأ كل مسؤول سعودي محادثاته مع المسؤولين الروس بالتذكير بأن الاتحاد السوفياتي كان أول دولة أعلنت اعترافها رسمياً بالمملكة العربية السعودية، ففي 16 شباط فبراير 1926 سلم كريم حكيموف، القنصل المفوض في جدة، الملك عبدالعزيز بن سعود مذكرة اعتراف بشرعية ملكه على الحجاز ونجد وملحقاتهما. وفي سنة 1938 أمر ستالين بسحب البعثة الديبلوماسية من جدة لأسباب مجهولة.

وعلى ضوء هذه الخلفية، مع ما رافقها من مستجدات، بدأ وليّ العهد السعودي الأمير سلطان بن عبدالعزيز محادثاته مع الرئيس بوتين، مستذكراً أيضاً مضمون المحادثات التي طرحت أثناء زيارته الى الرياض في ايلول سبتمبر الماضي. وقد تركزت في مجملها على التعاون والتنسيق لمواجهة الشركات النفطية التي فرضت طويلاً اسعارها على الدول المنتجة، خصوصاً ان الدولتين تتساويان تقريباً في كميات الانتاج. ذلك ان روسيا تعتبر الأولى في العالم من حيث استخراج الغاز واعادة ضخه. أما بالنسبة الى الاسواق النفطية فهي تنتج يومياً تسعة ملايين برميل ونصف مليون. أي أن انتاجها أقل بقليل من إنتاج السعودية الذي يتجاوز العشرة ملايين برميل، مع قدرة اضافية تصل الى 11.3 مليون برميل. وتتوقع المملكة ان تزيد انتاجها السنة المقبلة بعد استكمال منشآت"حقل الشيبة"الواقع في قلب صحراء الربع الخالي. ويشهد الحقل مشاريع توسيع لرفع انتاجه بنسبة خمسين في المئة ليصل الى 750 ألف برميل يومياً. وتقدر احتياطات النفط في السعودية بـ260 بليون برميل. أي ما يوازي ربع الاحتياطي النفطي العالمي.

في البيان الذي أذاعه الأمير سلطان بن عبدالعزيز، لدى وصوله الى موسكو، شدد على ثقته بنتائج المحادثات بسبب تقارب وجهات النظر بين البلدين، وقال إن هذه المحادثات تهدف الى تحقيق سلام عادل وشامل في منطقة الشرق الأوسط.

وكان بهذا التلميح يشير الى طبيعة المحادثات، وإلى الجانب السياسي الذي يتناول دور روسيا على المسرح العالمي باعتبارها قوة مؤثرة وفاعلة. كما أنها تملك شبكة علاقات واسعة مع دول المنطقة احتفظت بها عبر صفقات الصواريخ والأسلحة المتطورة والمواقف السياسية المؤيدة لحقوق الفلسطينيين. وقد تكون روسيا هي الدولة الوحيدة المؤثرة على مستقبل البرنامج النووي الايراني، وعلى قضية كوسوفو، وعلى الجمهوريات السوفياتية السابقة، وبسبب علاقاتها الوثيقة مع سورية ومع قيادة"حماس"، فإن التنسيق حول المؤتمر الدولي في"أنابوليس"كان في صلب المحادثات التي استغرقت وقتاً طويلاً بين الرئيس بوتين وضيفه الأمير سلطان.

في مؤتمر"أوبك"الأخير شدّد الملك عبدالله بن عبدالعزيز، على ضرورة عدم استخدام الطاقة سلاحاً سياسياً. وقد عبّر الأمير سلطان أمام المسؤولين في موسكو، عن التزام حكومة بلاده هذا المبدأ، خوفاً من ارتفاع الأسعار بشكل يهدِّد استقرار الاسواق المالية، خصوصاً أن جولته السابقة في اليابان وسنغافورة وباكستان، أقنعته بأن الطاقة ستصبح أكثر فأكثر مادة للنزاعات والحروب. ويستفاد من التوقعات التي نشرتها وكالة الطاقة الدولية في باريس، أن الصين والهند سترفعان الطلب العالمي على النفط إلى حدود غير مألوفة وغير مسبوقة. وفي سبيل احتواء هذه المشكلة، جرى البحث حول سبل ضمان توافر الطاقة في عالم تقدر زيادة عدد السيارات فيه بأكثر من الضعف لتصل إلى بليوني ومئة مليون سيارة.

في الكلمة التي ألقاها الأمير سلطان أمام طلاب"جامعة العلاقات الدولية"في موسكو، رأى أن منطقة الشرق الأوسط تجتاز مرحلة خطيرة تتعدد فيها الصراعات وتزداد تعقيداً. وقال إن هذا الوضع يستوجب من بلدينا الصديقين، مضاعفة الجهود في سبيل حل المشاكل بالوسائل السلمية والحيلولة دون تفاقمها، والعمل على تهدئة الأوضاع المتفجرة. وأثنى على جهود الرئيس بوتين وحكمته في التعامل مع القضايا الدولية الشائكة، آملاً بأن تتكلل مساعيه بالنجاح لما يحقق الأمن والسلام العالمين.

وتتوقع الصحف في موسكو أن يقوم الرئيس بوتين بطرح سلسلة مبادرات تتعلق بأزمة الشرق الأوسط ومشكلة الرئاسة في لبنان وحلحلة الوضع المتأزم بين السلطة و"حماس". وربما استفاد من كل هذه الجهود من أجل تحسين وضعه الداخلي، وإحراز فوز كبير في الانتخابات المقبلة...

* كاتب وصحافي لبناني