9 جزر في الجبيل تستقطب هواة الرياضات البحرية والآثار 

حسين العوامي |

<"مصانع بتروكيماويات ومداخن تتصاعد منها العوادم، وقلعة صناعة متقدمة". ربما ستلقى هذه الإجابة لو سألت أحداً عما يعرف عن الجبيل الصناعية"... لكن للجبيل وجهاً آخر، ربما لا يعرفه إلا القلة، إنه الوجه السياحي. فالجبيل مدينة محاطة بساحل، ربما يكون الأجمل والأكثر جذباً للسياح في المنطقة، بما يحويه من إمكانات طبيعية، وأخرى وضعتها الهيئة الملكية في الجبيل. أما الأهم فهو جزرها التسع"أبو علي"و"جريد"و"جنا"و"جنة"و"مسلمية"و"كران"و"كرين"و"حريقيص"و"عربية". ففي هذه الجزر ستجد أرانب برية وسلاحف ضخمة، وقربها طيور بحرية محجلة تعيش في"هناء"، لا تقلقها أعيرة نارية يطلقها صياد يفكر في الاستمتاع بتناول لحمها، كما تشكل موقعاً مفضلاً للباحثين عن الفقع الكمأة، الذي يظهر بكثافة في رمالها بعد هطول الأمطار، وخصوصاً صنف"الزبيدي".

وعلى شواطئها يمارس هواة الرياضات البحرية عشقهم في الغوص لمعاينة الشعاب المرجانية والأسماك الغريبة والنادرة. وهنا ينقب المهتمون بالتاريخ عن بقايا غارات شيخ العماير، من بني خالد حمد بن مجدل بن درباس بن مانع بن حمد المجدل، الذي كان يتخذ من جزيرة جنة مركز انطلاق لغاراته، التي شنها طوال نحو نصف قرن من 1830 إلى 1878م ضد كل من أهالي القطيف والدولة السعودية الثانية والقوات البريطانية. وطاولت معاركه الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، من أقصى الشمال حتى حدود قطر، كما تذكر المصادر التاريخية. وباستثناء جزيرة"أبو علي"وهي أكبر الجزر وأهمها، فإن بقية الجزر متاحة للجميع. وسبب إغلاقها هو وجود معامل أرامكو السعودية ومراكز قوة الدفاع الجوي على متنها، وترتبط الجزيرة بمدينة الجبيل عبر خط بري أنشىء قبل عقود. ويستغرق الوصول من مرسى القوارب واليخوت على شاطئ الفناتير في الجبيل الصناعية، إلى بقية الجزر نحو ساعة ونصف الساعة. وتعتبر من أهم الأماكن السياحية التي تروج لها الهيئة الملكية للجبيل وينبع في مدينة الجبيل الصناعية. وتتميز هذه الجزر بالكثير من عوامل الجذب السياحي، حيث تتنوع طبيعتها باختلاف الفصول، فمرتادوها صيفاً أو شتاءً، أو في أي فصل آخر، سيجدون الخضرة والرمال الناعمة والمياه الصافية، التي تمكن الناظر من الوصول بعينه إلى أعماقها المليئة بالأسماك المتنوعة والشعب المرجانية، كما تحيط بها مظاهر حياة فطرية تتمثل في حيوانات بحرية وطيور وزواحف وسلاحف، تتباين وتتعدد وفقاً لمواسم الهجرة. ففي فصل الصيف تستقبل أنواعاً خاصة من البط والسلاحف، وفي الشتاء هناك الطيور المهاجرة وبعض أنواع السلاحف الشتوية والكائنات البحرية. ويقصد الجزر عشاق الغوص ومحبو التمتع بمشاهد الجزر والشعاب المرجانية، والمهتمون بالكائنات والحيوانات البحرية، للاستمتاع بهدوئها بعيداً عن الصخب والروتين في مدينة الجبيل الصناعية.

وتعد"جنة"أهم هذه الجزر وأكبرها، وهي تبعد عن الجبيل الصناعية نحو 35 كيلومتراً، وتتجاوز مساحتها 7 ملايين متر مربع تقريباً. وتنبع أهميتها من موقعها الاستراتيجي على الساحل الشرقي، ووفرة المياه العذبة فيها، حيث كانت مقصداً لغواصي اللؤلؤ، للحصول على الماء من آبارها.

وتتميز الجزيرة بوجود مرتفعات وهضاب صخرية في الجزء الشرقي، ويصل ارتفاعها إلى نحو 15 متراً عن سطح البحر، أما في غرب الجزيرة فالأرض منبسطة والشواطئ رملية، ما يشجع على ممارسة السباحة والغوص. كما تعد"جنة"موقعاً مهماً للسياحة التراثية، لوجود مواقع تاريخية وأثرية فيها، وتوجد في الجزيرة ثلاث مقابر، تعود لفترات تاريخية مختلفة، وتدل على قدم الاستيطان فيها. ويحتل قصر الشيخ حمد بن مجدل في جامعه العتيق حيزاً من الجهة الشرقية للجزيرة، ويعود تاريخ هذا القصر إلى نحو 200 سنة، لحماية الجزيرة خلال فترات الحروب الكثيرة التي شنها، وهو مربع الشكل، وتحيط به الأبراج من الجهات كافة. وتتميز الجهة الجنوبية الغربية من القصر بوجود أقوى وأشهر الأبراج الحربية في منطقة الخليج، ويمتاز بالارتفاع وقوة البناء، ويمكن الوصول إليه من داخل القصر، وفي داخله بناء من دورين، وبه أقواس ذات طابع إسلامي، إضافة إلى فتحات صغيرة الحجم في الجدار، لكي يستخدمها أصحاب البنادق في الحروب. أما البرج في الجهة الجنوبية الشرقية فيتخذ شكلاً دائرياً، ويمكن الوصول إليه من الجهة الغربية داخل القصر، وبقية الأبراج مربعة الشكل. ويوجد داخل القصر أكثر من 16 غرفة مختلفة الأحجام، كما توجد أبراج تحيط بها لحمايتها في الحروب، وهي أبراج دائرية الشكل، ويقدر ارتفاعها بنحو 4 إلى 5 أمتار، وهي كبيرة الحجم من الأسفل، وتصغر كلما ارتفع البناء. ويقع الجامع على مساحة واسعة، ويتسع لعدد كبير من المصلين، ويحتوي البناء على عقود نصف دائرية متكررة في الصفين الأول والثاني، بنيت من أحجار مشذبة، وتم ترميم الجامع عام 1855 على نفقه الإمام فيصل بن تركي آل سعود. ويوجد في شمال الجزيرة ميناء بحري، شيده الأهالي، وهو على شكل نصف دائري، ويتكون من أحجار كبيرة لحماية المرفأ من الأمواج، ويحيط بالجزيرة نحو 20 معسكراً لصيد الأسماك. ومن معالم الجزيرة مزرعة درباس بن مجدل، التي تضم نخيلاً زرعت قبل عشرات السنين. ويذكر الأهالي أن المزرعة كانت ذات إنتاج وفير، وفيها أشجار مختلفة، ويتم ري المزارع عن طريق 4 آبار، وهي أيضاً لا تزال باقية حتى الآن، وأسهمت الأحجار التي تقع داخلها في حمايتها من الانهيار، ويعتمد نظام الري في المزرعة على قنوات بنيت من الأحجار والحصى، ولا يتطلب الوصول إلى المياه إلا حفر بئر على عمق يتراوح ما بين متر إلى مترين، وكانت الجزيرة مصدراً مهماً للمياه، لكثير من سفن الخليج العربي أثناء موسم الغوص، وبخاصة مع ندرته في المناطق المجاورة للجزيرة، وأهم آبار الماء المعروفة في الجزيرة، ماء أبومريسة ونويفل والخريج وقهيدان. وخلال السنوات الماضية عثر في الجزيرة على كثير من قطع الفخار، الذي يعود لفترات إسلامية متأخرة، وتم جمع عدد من الأدوات البحرية ذات الألوان البراقة، ويوجد أيضاً في الجزيرة حجر الأوتسيدان اللامع، الذي استخدمت قطعه كأدوات للزينة. وكذلك قطع سوداء من الحلي كالأساور، وقطع زجاج داكنة اللون، وهناك الكثير من الفخار والأثاث في الجزيرة، لم يتم الكشف عنها حتى الآن. وعلى رغم ما تحويه جنة وبقية الجزر من مقومات سياحية وأثرية، إلا أنها تفتقر إلى مشاريع استثمارية، تسهم في استغلال هذه المقومات، وتضع اسم هذه الجزر في خارطة السياحة السعودية، التي يتوقع لها ان تكون واعدة.