حال الإنكار المرَضية لوقائع الثورة

حال الإنكار المرَضية لوقائع الثورة

ماجد كيالي |

ثمة حالة إنكار مذهلة عند مناهضي الثورة السورية تتجاوز حدّ نفي مشروعية والنيل من نبل مقاصدها، والتشكيك بأشكال عملها، إلى محاولة نفي حقيقة وجودها، من الأساس، ما يترتّب عليه نفي الممارسات اللاإنسانية، والمأسوية والكارثية التي ترتكبها القوات الأمنية، والشبيحة، ضد الشعب، في المناطق الثائرة.

وعند هؤلاء، كل ما يجري غير حقيقي وإنما يتمّ إعداده في غرف مغلقة، وكله تمثيل في تمثيل، مع مسارح وديكورات وماكياجات وممنتجين ومخرجين وممثلين، فهذه مجرّد مؤامرة كونية، أخرى، معدّة من القوى الغربية وتشارك فيها بعض «الفضائيات». وحقاً، عبّر الرئيس ذاته، عن تقمّصه هذه الحالة، بقوله: «إنهم يسيطرون على الفضاء ونحن نسيطر على الأرض»! وهكذا اتبعه مريدوه، منذ أشهر، بعبارات من نوع «خلصت»، و «بابا عمرو أعطاكم عمرو»، في تعبيرات تشفٍّ بالغة الخسّة، إزاء مآسي البشر.

وقد كان ممكناً تفهّم حالة الإنكار هذه في الأشهر الأولى لاندلاع الثورة، ولكن بعد مرور ما يقارب سنة ونصف سنة، ومع شمول الثورة خريطة المدن والقرى السورية، ومع ضحايا بات عددهم يناهز 21 ألفاً، مع 21 ألف حكاية، وما يعنيه ذلك من مأساة في 21 ألف عائلة، فإن إنكار كل ذلك بات بمثابة حالة مرضية لا شفاء منها، أو حالة انفصام عن الواقع، ميؤوس منها.

ولا يمكن تفسير هذه الوضعية إلا باعتبارها نوعاً من ردّ فعل عصابي، ونرجسي، من طبيعة «الممانعة والمقاومة» ذاتها التي يدّعيها هؤلاء المناهضون من ثوريي الأمس، من «يساريين» و «قوميين»، بعدما بات التخفّف من الواقع، بالنسبة اليهم، بمثابة الخندق الأخير للدفاع عن «معسكر» المقاومة والممانعة المزعومتين.

ويبدو أن حالة الانفصال عن الواقع هذه تفيد بابتعاث نوع من الارتياح الضميري، والرضا الذاتي «الأخلاقي»، عند هؤلاء الذين يصعب عليهم التعايش مع ما يجري، والإقرار بأن ثمة ما يحصل حقاً، في سورية، من درعا إلى إدلب ومن بانياس إلى البوكمال، مروراً بحلب وحماة وحمص، ومع مجازر مروعة في تريمسة وكفر عويد والحولة وجسر الشغور، والقبير وزملكا والسيدة زينب، ومع كل هذا الدمار لأحياء كاملة في درعا ودوما والزبداني وبرزة ونهر عيشة وحرستا والمزة والقابون ودير الزور.

عقلية الإنكار هذه تمت تغذيتها على امتداد أربعة عقود من حكم العائلة الواحدة، التي احتلت المشهد العام، من رياض الأطفال إلى المدارس والجامعات ومنظمات الطلائع والطلاب والشبيبة والعمال والفلاحين والمرأة والمعلمين، والقضاء، وفي الجيش، وعبر وسائل الإعلام والأجهزة الأمنية، والأغاني والرموز، والصور والتماثيل التي تحتل المشهد كله.

هكذا، احتل «الأسد» المشهد العام، وحتى المخيلة العامة، فأنى ذهبت تماثيله وصوره ورموزه، وكلماته، ومخبروه، لذا كان من المتعذّر في تلك الحال التعرف إلى عـــفرين والــــــقامشلي والحسكة وجسر الشغور والسلمية ومصياف واللطامنة وبنش وكفر نبل ودير قانون ودوما وخان شيخون والقصير والضمير والقبير.

لكن حالة الإنكار هذه كانت عامة وشاملة، أي أنها كانت تشمل رأس الهرم ذاته، لا سيما مع الأسد الابن الذي زيّن لنفسه لسنوات أنه يمكن أن يكون بمثابة المرشد للرؤساء والملوك العرب، ما جعله يعتقد ببأن مهمته تتضمن إعطاء الدروس لهم، ونصحهم بكيفية إدارتهم أحوال الأمة، حتى يكونوا «رجالاً» حقاً! وبعدها توهّم بأنه بات بإمكانه إدارة الحالة العربية، وربما الشرق الأوسطية، مع تقاربه السريع مع كل من قطر وتركيا، إضافة لإيران وفنزويلا تشافيز. والأنكى أنه بعد ذلك ابتدع نظرية «توحيد» البحار الخمسة، بوهم التحول إلى قطب بين الأقطاب الدوليين! ولعل هذا ما شجّع ذاك العضو في مجلس الشعب على مخاطبته بكلمات ملؤها الامتنان والعرفان، وعلى الملأ، بأن «سورية قليلة عليك ياسيادة الرئيس... أنت لازم تكون رئيس العالم»!

وإذا أخذنا شعار: «وحدة حرية اشتراكية»، الأثير لحزب الحاكم (لا الحزب الحاكم)، سنجد درجة مريعة من الإنكار، فبمقدار حضور هذا الشعار في اللافتات والأدبيات، بمقدار ما هو غائب في السياسات والاستراتيجيات.

لكن قصة الإنكار تبلغ ذروتها في إنكار الشعب، أو إزاحته إلى الهامش، فعند الأسد، ومن معه، ليس ثمة شعب، وإنما مجرد جماهير أليفة ووادعة ومطواعة مهمتها التصفيق والهتاف له في الساحات، وأي مشهد يختلف عن ذلك هو مفبرك ليس إلا.

على أية حال فإن حال الإنكار لم تعد ذات صلة بعد الثورة، ذلك أن السوريين الذين فوجئوا بسوريتهم، وكان يصعب عليهم التعرّف إلى ذواتهم الخاصّة - فما بالك بأن يتـــــعرّفوا إلى بعضهم - باتوا في معمعان الثورة، بالتحديات التي تكشفت عنها، وبالتـــضحيات التي تطلّبتها، يكتشفون ذاتهم، ويتعرفون إلى بعضهم، في خلافـــاتهم ومشتركاتهم، وإن في شكل صاخب. لذا، وفي الغضون، وبعد كل ما جــــرى، يمكن التأكد من أن سورية التي تكشّفت فجأة، وانبثقت بطريقة عنيفة، وصارخة، باتت تختلف تماماً عن «سورية الأسد إلى الأبد»، وبقي فقط صوغ ذلك في عقد اجتماعي جديد، يتأسّس على دولة المواطنة الديموقراطية.

قصارى القول، من يرى في سورية مجرد «مزرعة» وراثية ومحض موقع استراتيجي فلن يرى شعبها بداهة، كما ولا معاناته وتضحياته، ولا توقه إلى الحرية والكرامة. ومن يقول «سورية الأسد»، لن يرى سورية الشعب؛ هذه هي الحكاية... باختصار.