هرب الفتيات... عندما ينفد الصبر وتنكسر قشة «الاحتمال»

هرب الفتيات... عندما ينفد الصبر وتنكسر قشة «الاحتمال»

الدمام - رحمة ذياب |

«لا يوجد من يهرب حباً في الهرب» بهذه الكلمات بدأت الخبيرة في علاج إدمان الفتيات، الاستشارية النفسية منى الصواف في الحديث عما سمته «خللاً» في المجتمع تؤدي نتيجة من نتائجه إلى هرب الفتيات، مؤكدة أن «المشكلة أكبر»!

التعنيف الأسري والفقر إضافة إلى العضل الواقع من آباء وإخوة الفتيات وسواها من مسببات عدة، يدفع إلى ارتكاب الهرب، كنوع من الفرار من واقع لا يستطعن فيه العيش بسلام. قصص روت فيها «هاربات» لـ«الحياة» حكاياتهن مع محاولة الخروج من بيئة لم يحتملن العيش فيها يوماً آخر، وقصص انكسار «قشة الاحتمال» ونفاد الصبر.

في حين ألقى رئيس لجنة التكافل الأسري في إمارة المنطقة الشرقية الدكتور غازي الشمري بجزء كبير من اللائمة، بخصوص مشكلة هروب الفتيات على «الدراما الخليجية والمسلسلات المُدبلجة، التي بات لها تأثير كبير في ارتفاع حالات هرب الفتيات»، مطالباً وزارة الثقافة والإعلام بـ«منع نشر الروايات الهابطة، لأنها ترفع نسبة الجريمة عموماً، وحالات هروب الفتيات خصوصاً».

يأتي ذلك في وقت كشف فيه المدير العام لفرع وزارة الشؤون الاجتماعية في المنطقة الشرقية سعيد الغامدي عن آلية جديدة بدأ باتباعها أخيراً للتعامل مع حالات هرب الفتيات، موضحاً في تصريح إلى «الحياة» أنه «في حال تعذر الإصلاح بين الفتاة وأهلها، وبعد إبلاغ إمارة الشرقية ورفع الحال إليها بتفاصيلها، يتم إحالة القضية إلى المحكمة الشرعية، للبت فيها، من دون إلزام للجهات الرسمية بعودة الفتاة».

 

منى هربت من عريس «مجبرة» عليه... وسميرة من «عضل الأب»

هرباً من فقدان «الأمن الأمان»، ولنيل قسط من الراحة والاستقرار، لجأت «منى» إلى دار الرعاية الاجتماعية في الدمام، وقضت هناك مدة «بسيطة»، بعد أن تمكنت من الهرب من منزل والدها، على أمل أن «أجد حلاً لمشكلتي» على حد تعبيرها. ووجدت منى ضالتها هناك، بعد تدخل فريق اجتماعي ونفسي لمعالجة حالتها، وانتقل لاحقاً إلى عائلتها، وصولاً إلى حل الأزمة، التي عاشتها تلك الفتاة «الهاربة».
وتبدأ منى (26 عاماً) حديثها لـ«الحياة»، رافضة البوح بتفاصيل قصتها، وتعود بذاكرتها إلى أعوام مضت، «عندما فكرت في الهروب من منزل والدي، كنت أعيش ظروف حياتية سيئة للغاية، وسببها الرئيس الضغط علي من أجل الزواج من شخص كنت أرفضه بقوة». وتعرضت منى للضــرب مـــن والــدها، الذي منعها من التواصل مع صديقاتها، «أو حتى لمس الــهاتف».
وتكمل منى روايتها: «حاولت التواصل مع لجان تنمية اجتماعية، ولكنني لم أجد حلاً. كما حاولت الخروج من المنزل مرات عدة، ولم تفلح محاولاتي، إلى أن قررت الذهاب إلى دار الرعاية الاجتماعية في الدمام، بعد أن سمعت قصصاً وحكايات عن فتيات هربن من منازلهن إلى الدار».
وتُشير إلى أن لكل واحدة من هؤلاء الفتيات حكاية، «إلا أن السبب الذي يجمع بين معظم الهاربات، التعنيف الأسري أو الزواج من شخص لا تريده الفتاة». لافتة إلى حالات هرب بسبب «الفقر وعدم توافر أبسط حاجات الفتاة».
ولم توفر عائلة منى وسيلة لم تلجأ إليها بحثاً عنها، إذ اعتقدت عائلتها أنها تبحث عن وظيفة مع صديقاتها، اللاتي أكدن عدم رؤيتهن لها منذ فترة طويلة، على حد قولها.
وتبتسم قبل أن تضيف: «كانت أياماً صعبة وكلها شقاء عندما علم والدي وإخوتي أنــني هــربت من المنزل. وقاموا بإبلاغ الشرطة، التي بدورها أكدت لهم أنني في دار الرعاية الاجتماعية، بسبب رفضي العيش معهم».
وحاولت العائلة إقناع ابنتهم بالرجوع إلى المنزل، مع التأكيد لها أنهم استبعدوا فكرة زواجها ممن لا ترغب في الاقتران به، ولكنها لم تصدق كل ما قيل لها.
ولم تشعر بالأمان «للحظة»، بحسب تعبيرها، «عندما جاءت والدتي لزيارتي خفت كثيراً، ورفضت العودة معها. وحاول الفريق المختص إقناعها بأنني أمر بمرحلة علاجية، عبر جلسات استشارية مُكثفة، وبدأ الطرفان في البحث عن حل إلى أن عدت إلى منزل والدي، بعد أن تعهد بالالتزام بما تمّ التوصل إليه، حول عدم تزويجي».
وعلى رغم التشابه، إلا أن قصة هرب سميرة، تختلف اختلافاً بسيطاً عن منى، إذ كان سبب لجوئها إلى أحد مراكز التنمية الأسرية، «عضل» والدها لها، ومنعها من الزواج.
وتصف ما مرت به بـ«الوضع المأساوي»، لاسيما عندما قرر مركز التنمية الأسرية تحويلها إلى دار الرعاية الاجتماعية. قائلة: «هربت من المنزل، إلى مركز تنمية أسرية، الذي قام بدوره بإبلاغ الشرطة والشؤون الاجتماعية، وتمّ تحويلي سريعاً إلى دور الإيواء إلى حين البت في قضيتي، وهي العضل، إذ رفض والدي تزويجي من كل من تقدم لي».

 

«الشؤون الاجتماعية» تحيل قضايا  الهاربات إلى المحاكم الشرعية

كشف المدير العام لفرع وزارة الشؤون الاجتماعية في المنطقة الشرقية سعيد الغامدي عن آلية جديدة بدئ باتباعها أخيراً، للتعامل مع حالات هروب الفتيات، موضحاً في تصريح إلى «الحياة» أنه «في حال تعذر الإصلاح بين الفتاة وأهلها، وبعد إبلاغ إمارة المنطقة ورفع الحالة إليها بتفاصيلها، تتم إحالة القضية إلى المحكمة الشرعية للبت فيها، من دون إلزام للجهات الرسمية بعودة الفتاة، فما تصدره المحكمة من أحكام قضائية يتم تنفيذه. وهذا يختلف عن السابق».
وأشار الغامدي إلى أن غالبية أسباب هروب الفتيات تتمثل في «تعرضهن إلى العنف الأسري، سواءً الجسدي أم النفسي، وخلافهما»، موضحاً أن «وحدة الحماية الاجتماعية في المنطقة تقوم بالتعاون مع لجنة الحماية برفع العنف عن الفتاة، وتحقيق التوافق بينها وبين أسرتها، وفي نهاية المطاف، حينما ترى اللجنة الحاجة إلى استضافة الفتاة في الدور الإيوائية، يتم ذلك لعلاج المشكلة.
وفي بعض الأحيان يتم استقبال فتيات هاربات بسبب العنف الواقع عليهن». وأوضح أن الآلية المعمول بها هي أنه «يتم استقبال الفتاة، وإيداعها في الدار، بعد التأكد من عدم وجود من يقوم بإيوائها وحمايتها من أفراد أسرتها، ويتم لاحقاً البدء في درس الحالة، وتفعيل الدور الإرشادي والتأهيل النفسي والاجتماعي لها من الفريق التنفيذي في الوحدة، ثم تعرض على لجنة الحماية الاجتماعية، ثم استدعاء المعنِّف، أو ولي أمرها، ومناقشته حول أسباب هروب الفتاة، والعمل على بدء حل المشكلة».
وأكد «أخذ التعهدات اللازمة، لحماية الفتاة من الأسرة، قبل طي قيدها من الدار، مع القيام بمحاولات للإصلاح بين الفتاة والأسرة، وإذا لم ينجح الإصلاح يتم الرفع إلى الإمارة، للإحالة إلى المحكمة الشرعية للبت في القضية وحل النزاع».
وذكر الغامدي أنه تتم «متابعة الفتاة بعد خروجها من الدار، من الرعاية اللاحقة، ونزودها بأرقام وهواتف وحدة الحماية للتواصل عند الحاجة، إذا تكررت المشكلة، خوفاً من هروبها مرة أخرى إلى مكان غير معلوم. وهذه الخطوة تسهم في الاستقرار النفسي للفتاة، ويتم أخذ التعهد من أسرة الفتاة، ومنها نفسها، كي لا تقوم بممارسة أخطاء تكون مخالفة للشرع والقانون».

 

رئيس «التكافل الأسري» في «الشرقية»: عدد الهاربات لا يستهان به

أوضح رئيس لجنة التكافل الأسري في إمارة المنطقة الشرقية الدكتور غازي الشمري في تصريح إلى «الحياة» أن هروب الفتيات من منازل ذويهن «لم يصل إلى حد الظاهرة»، مستدركاً أن «عدد الهاربات لا يُستهان به». وأرجع أسباب ذلك إلى «غياب الحِوار الفعّال بين الأهل والأبناء، كما أن الدراما الخليجية والمسلسلات المُدبلجة لها تأثير كبير في ارتفاع حالات هروب الفتيات».
وأكّد الشمري على وزارة الثقافة والإعلام بأن «تمنع نشر الروايات الهابطة، لأنها ترفع نسبة الجريمة عموماً وحالات هروب الفتيات خصوصاً. كما يتحتّم عليها أن تقدم دوراً إعلامياً بارزاً في ما يتعلق بهروب الفتيات».
وكشف أن «العدد الإجمالي للفتيات الهاربات إلى لجنة التكافل الأسري اللاتي يتم تحويلهن إلى دور الرعاية والإيواء، يبلغ خلال العام الواحد من 6 إلى 9 حالات».
وعزا سبب الهروب إلى «التعنيف الأسري والفقر إضافة إلى العضل الواقع من آباء وإخوة الفتيات». وقال: «إن دورنا في اللجنة تكاملي، وليس إصلاحياً فقط، ونعمل على إرجاع الفتيات إلى منازلهن»، مؤكداً أن على الجهات المعنية «وأد ما يسمى بهروب الفتاة من منزل والدها من خلال إيجاد متنفس للفتيات بإنشاء مراكز وأندية أحياء ترفيهية ترويحية، تعالج المشكلات النفسية والأسرية، وتقدم برامج رياضية وثقافية وصحية منوعة».

 

نقص «الإحصاءات» يمنع تصنيف  «هرب  الفتيات» ظاهرة... والتكتم من أساسيات المشكلة

جدة - عائشة جعفري

بين من يقول إنها لم تتجاوز حالات فردية، ومن يُشير إلى أن المانع الوحيد من تصنيفها ظاهرة نقص الإحصاءات الدقيقة وقلة الجهات المصدرة لمثل هذه الأرقام، تبقى حالات «هرب الفتيات» في السعودية مشكلة بلا حلول جدية، خصوصاً مع تأكيدات اختصاصيين أن مشكلة هرب الفتيات «ليست سوى نتيجة لمشكلة أكبر».
وليس جديداً أن يكون عنف الآباء وإدمان الفتيات وانفصال الوالدين وتفكك الأسر المعنوي والفعلي من مسببات هرب الفتاة من منزلها وبيئتها، لتكون «صاحبة القرار» في هذه الحال، كما توضح الاستشارية النفسية والاجتماعية الدكتورة فوزية أشماخ التي تُشير إلى أن حالات هرب الفتيات قسمت إلى نوعين أساسيين تكون في أولاهما صاحبة القرار، «بعد أن تقع الهاربة تحت ظروف اجتماعية معينة من ضغوط أسرية أو مواجهة شكل من أشكال العنف من دائرة المقربين».
في حين، يكون دافع الهاربات من النوع الثاني بحسب أشماخ «الخوف»، وتضيف: «تهرب الفتاة من المنزل خوفاً من شيء ما».
وتزيد: «أتذكر إحدى الأمهات التي زارتني في المركز، تشكو من هرب ابنتها ذات الأعوام السبــعة من المــنزل دائماً.
بعد الحديث والبحث في الأسباب، علمتُ أن الأم تقوم بتوبيخ ابنتها باستمرار، ما زرع فيها الخوف والاستعداد لترك المنزل».
فيما اعتبرت الخبيرة في علاج إدمان الفتيات الاستشارية النفسية منى الصواف، أن الهرب يكشف عن خلل ما، «وليس هو المشكلة بحد ذاته»، وقالت: «لا يوجد من يهرب حباً في الهرب، هو نتيجة لخلل كبير وفجوة هائلة في جدار الأسرة التي لم تعمل على علاجه، ولا يجب تحميل الفتاة كامل المسؤولية لمثل هذه التصرفات، فمــن الجــهة الــثانية، توجد حالات هرب للأولاد «الذكور»، لأسباب ودوافع مختلفة عن تلك التي تدفع الفتاة إلى الهرب، لكننا بصدد مشكلة نتجت عن مشكلة أكبر، لهذا يجب أن تتوافر دراسة وتقنين للحلول مناسبة مع حجم هذا الخطر، ووضع أسباب واقعية، بعيداً عن الاجتهادات والافتراضات».
ويظل السببان الأكثر وروداً في حالات هرب الفتيات «العنف الأسري» و«ضعف التوعية المجتمعية»، والسبب الأخير بحسب الاستشارية أشماخ يعود إلى «طريقة التعاطي مع هذه القضايا، لدينا مشكلة أكبر من ناحية الإعلام والمسؤولين، إذ يتم إخفاؤها بشتى الطرق، والتعامل معها بخجل شديد، في الوقت الذي يجب أن تتم فيه توعية المجتمع بأسره تجاه هذه القضية».
من جهتــها، أكــدت المــستشار الــنفسي الأسري المعتمد في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الدكتورة زهراء المعبي أن هرب الفتيات «لا يتعدى حــالات فردية، لا يجب تعميمها».
لكنها تعتقد أن العنف الأسري يأتي كمسبب أول لمثل هذه الحالات، «فالمنزل أحياناً يصبح بيئة غير آمنة بالنسبة إلى الفتاة كي تعيش بسلام».
ولا تغفل المعبي مشكلة تفضيل الأبناء على البنات التي «تسببت في خلق الأحقاد والآلام النفسية، فما يمارسه الآباء من ضغوط وقسوة في حرمانها من كل شيء، كمنعها من محادثة صديقاتها والتضييق عليها في الخروج من المنزل، ربما يعود عليها سلبياً، متجاهلة أن سبب المنع هو الخوف عليها من العالم الخارجي، فتلجأ إلى شخص خارج نطاق الأسرة، تعتبره طوق نجاة لها، وتجد لديه ما تفتقده في أسرتها، لتقرر الهرب، وترك المنزل من دون أدنى شعور بالذنب».
وتتابع: «لهذا نرى أن توعية الأسرة يأتي في المقام الأول دائماً في محاولة لخلق لغة للتفاهم بين أفراد الأسرة، وإشعارهم بمسؤولية التعامل مع الفتاة بكل إنسانية، والبعد عن تهميشها وعضلها».