توطين نقد الإسلام السياسي وتسييسه

توطين نقد الإسلام السياسي وتسييسه

سامر فرنجيّة |

بعد سنــتين على انطـلاق الثورات العربية، بدا كأنّها لم تنتج إلاّ إسـلاماً ســياســياً، وأنّ ضحـيتها الوحيـدة «عـلمنة» الأنـظمـة المخلـوعة، كما يردّد تـحالف المـعترضــين على الـثـورات. فـمن مـقـولــة «الثورة المضادة» إلى تحالف الأقليات المتجدّد وصولاً إلى تصوير «جبهة النصرة» بوصفها اللاعب الأسـاسي في الثورة السـورية، تتردّد المقـولة نـفـسها: الثـورات العــربيـة أعـادت إنتاج النظـام القمعي ذاته ولكن بحلّة الإسلاميين.

غيرّ أن الانتصارات الانتخابية للإسـلاميين والخوف المتزايد منهم لا تـشكـّل الصورة الـكـامـلة لـواقـع المـجتمعات مـا بعد الثورية. فمنذ لحظة صعود الإسلام السياسي، بدأت تتـبلور، وإن ببـطء، معـارضة لهم، مــشـكّلة من قوى مختلفة، ميزتها الأساسية أنها تعيد «تسـييس» نقد الإسلام السياسي و «توطينه»، بعدما نُفِي هذا النقد من الحقل السياسي العربي لعقود.

كان نقد الإسلام السياسي في الفترة السابقة للثورات العربية غائباً، ومحصوراً بيمين غربي شبه عنصري، أدرجه في رواياته عن صراع الحضارات. أمّا الموقف العام، فكان «متفهّماً» للحركات الإسلامية، إن لم يكن داعماً لها، بوصفها القوى السياسية الأكثر تمثيلاً للعرب. فكان الإسلام السياسي أحد مكوّنات معارضة الأنظمة القمعية، بالتالي موضوع تعاطف وتحالف، أو ضحية «الإسلاموفوبيا» اليمينية وقمع الأنظمة، بالتالي موضوع تضامن ودعم. وعلى هذا النحو، بات عنوان «الحوار مع الإسلاميين» من المطالب الرئيسة للتقدميين، على ما حصل بعد فوز «حماس» في الانتخابات. أمّا «العلمانيون العرب» فأدرجوا نقد الإسلام السياسي في منظومة ثقافوية، نزعت عنه الطابع السياسي لتحوّله إلى امتحان حضاري على الشعوب إنجازه قبل المطالبة بأية حرية.

انقلبت الصورة رأساً على عقب مع الثورات العربية، ليتحوّل متفهّمو الإسلام السياسي إلى أشدّ أعدائه، بعدما تبيّن أن الإسلاميين ليسوا مجرّد خزان بشري لمفكري الممانعة. هكذا هُوجِم الغرب لقبوله بالإسلاميين في مصر بعدما انتُقِد لرفضه الحوار مع «حماس»، وأعيد رفع شعار العلمنة بعدما طُمس تحت رايات الدعم لـ «حزب الله»، واستذكر بعضهم وضع المرأة والأقليات بعدما كان هذا العنوان قد تمّ تخوينه كجزء من المنظومة الإمبريالية الموجهة ضد العرب والإسلام. هكذا تمّ تبني خطاب جورج بوش من جانب أعدائه السابقين، مطبّعين مشروعه «الإسلاموفوبي» وواضعين تمثال أبي العلاء المعري في وجه آلاف القتلى الذين أسقطهم النظام البعثي.

ولكن بعيداً من تخبّط بعضهم ممن انتقلوا من دعم الإسلاميين الكامل إلى نبذهم الشامل، هناك تطور على الصعيد السياسي، قد يكون أقل حدّية ولكن أكثر جذرية من هذا الموقف الهستيري، يقوم على إعادة تسييس نقد الإسلام السياسي، بعيداً من مسألة ربطه بالغرب أو بمنظومة ثقافوية، بالتالي تطبيعه وتوطينه. ويمكن أن نلمح بعض جوانبه في مصر وتونس مثلاً، حيث باتت هناك معارضة قوية لحكم الإسلاميين، تأخذ أشكالاً مختلفة، من علياء المهدي وتعرّيها، إلى انتفاضات الطلاب في تونس ضد السلفيين والمعارضة لـ «جبهة النصرة» في سورية، وصولاً إلى تهكّم باسم يوسف في مصر أو عنف «البلاك- بلوك» الدفاعي.

تلك الأحداث ليست محصورة أو ناجمة عن نخبة معزولة، بل باتت جزءاً من موقف سياسي أوسع، وإن كان فضفاضاً. فالاحتجاجات المتواصلة في مصر وأزمة الحكم العميقة التي تواجهها حكومة «الإخوان» وتراجع شعبيتهم من الانتخابات التشريعية إلى الرئاسية وصولاً إلى التصويت على الدستور، إشارة إلى أن مقولة سيطرة الإسلاميين قد تحتاج إلى بعض التدقيق. والصورة تكرر نفسها في تونس، حيث تتّم تدريجاً محاصرة «النهضة»، بحيث تتحوّل من حزب حاكم إلى شريك في الحكم، تحت وطأة الاعتراضات المتزايدة، بخاصة بعد اغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد، أو في سورية، حيث يتطور تدريجاً نقد متزايد لـ «جبهة النصرة» وانتهاكاتها.

يمكن التشكيك بهذا التوصيف، والإشارة إلى ابتذال تلك الحركة أو هامشية هذا التحرّك. كما يمكن التذكير بأن الإسلاميين ما زالوا يشكّلون القوة الأكثر تمثيلاً وتنظيماً، أو أن بعض المعارضة للإسلام السياسي يعاني من عيوب أخرى، كالموقف من التحرر الاجتماعي أو الثورة السورية أو غيرهما من العناوين. غير أن هذا لا يلغي ميزتين لهذا التطور، هما توطين نقد الإسلام السياسي وتسييسه.

فللمرة الأولى منذ عقود، يتمّ ابتكار نقد لهذا التيار السياسي نابع من المجتمعات العربية ومن قوى ذات تمثيل شعبي، بعدما كان النقد هامشياً ومحصوراً بأفراد أو بأنظمة استغلّته لأسباب مشبوهة، أو بخطاب غربي عن الإصلاح فاقد لأية شرعية محلية.

وهذا التوطين عائد إلى الميزة الثانية لهذا النقد، وهي طابعه السياسي الذي يكسر مع طابع ثقافي سيطر على ذاك النقد لعقود. فمنذ مطلع السبعينات من القرن العشرين، بدأ الموقف «العلماني» يأخذ طابعاً ثقافوياً ليتحول إلى نوع من الامتحان الحضاري، على المجتمعات إنجازه لدخول حداثة مجرّدة. وتحوّل نقد الإسلام السياسي من مكون لموقف سياسي أوسع، إلى عنوان وحيد لموقف ثقافي مجرّد، هو ما سمح بربطه بمشاريع قمعية، كمقولة أن الأنظمة تحديث للمجتمعات. أمّا بوادر النقد الجديد، فسياسية الطابع، تنفصل عن السياق الحضاري والثقافي الذي سيطر عليه في الماضي، لتعيد ربط الموقف المعترض على الإسلاميين بمشروع إعادة تركيب السياسة. وهو ما يفسر طابعه الفضفاض نظرياً ولكن الحاد سياسياً.

لقد تحوّل نقد الإسلام السياسي من موقف ثقافوي إلى آخر سياسي هو جزء من السيرورة التي أطلقتها الثورات العربية. وإذا كان هناك عنوان نظري لتلك الثورات، فهو إعادة اكتشاف السياسة، بعد عقود طُمست تحت تنظيرات ثقافوية، يمينية أو يسارية.

وتحوُّل نقد الإسلام السياسي إلى موقف سياسي إنجاز من المفيد التوقف عنده، قبل اللجوء إلى دعم ما يقترفه الأسد من قتل فعلي باسم الخطر السلفي المحتمل.