المرأة والسيارة... الخصوصية والمسؤولية

المرأة والسيارة... الخصوصية والمسؤولية

مهنا الحبيل |

تعرضنا في مقدم التفصيل المنطقي في المقال السابق عن الخلاف عن قيادة المرأة السيارة، إلى مقولة الخصوصية كيف تُضبط، وهل يُحتج بها، وما الذي يُقصد بالتدين السعودي؟ وبقي أن نُجيب عن طرح وجود الحرمين الشريفين كاحتجاج شرعي يُغيّر مسار الأحكام بحسب اعتقاد البعض، وبلا شك أن وجودنا في دولة واحدة تضم أقدس بقعتين ومناراً مكانياً للرسالة الإسلامية محل تشريف، لكن هل هو محل تشريع استثنائي في غير أحكام المدينتين المقدستين، هذا لا يُسلّم وربط الدولة في تعريف نفسها بالحرمين الشريفين هو من باب التشريف بمهمة التكليف كدولة ضمت إقليم الحجاز، ولذلك اُعتبر الملك عبدالعزيز، رحمه الله، عبر توحيده للأقاليم موحّداً ومؤسّساً معاً.

أي أن ضمن بلاده بلاد الحرمين الشريفين كإدارة سياسية، وهذه البلاد المحددة باحتضان الحرمين - كما يرد في كل كتب الفقه - هي الحجاز لا غيره كما هو في التعريف الشرعي لبعض الأحكام ذات العلاقة، وما قصدتُه أن الأحساء بلدي، على سبيل المثال، تتشرف بوحدتها مع الحجاز عن طريق الدولة، ولها مكانتها وتاريخها، لكن ليست هي الحجاز إقليم الحرمين الشريفين، وكذلك نجد وحائل والجنوب وهكذا، ولكن الواجب احترام وتقدير أهل الحجاز ومدارسهم ومعاهدهم وشخصياتهم وإكرامهم وليس استخدام مسمّى التعميم للحرمين الشريفين للإساءة لهم، أو الاحتجاج بتغيير حكم شرعي، أو عرف مجتمعي، بناء على دعوى أي شخص كاتب أو واعظ وهو يسيء لأهل الحجاز ويحتج عليهم بأنه من بلد الحرمين الشريفين وهو خارج الحجاز فقط للاستعلاء عليهم، ونبذ أقوالهم والتحريض عليهم هذا لا يستقيم كمبدأ، وإجمالاً يجب أن تفكّك هذه الدعوى حين تُستخدم للاستدلال الشرعي الاستثنائي في غير الأحكام ذات العلاقة بالمدينتين المقدستين.

ونلج الآن في الموقف من مطالب قيادة المرأة السيارة، فالمسار الأول للمسألة هو أن هذه المطالبات للأخوات وبعض الشخصيات الاجتماعية والوطنية للحق الطبيعي لقيادة المرأة السيارة كمطالبات فردية أو جماعية لاقتناء السيارة للمرأة، وما جرى تأكيده قبل مناقشة الشورى للفت النظر للحاجات الضرورية للمرأة السعودية لقيادة السيارة – بحسب فهمهم - وهكذا يجب أن يُنظر لها ولا يُحرّض على من يطالب.

أما المسار الثاني فهو موقف بعض المشايخ والقضاة الذي لم يُستدرج كما جرى لبعض الوعّاظ أو المشايخ من لغة التحريض والتضليل والإثارة والصراع المجتمعي، فقد قرأت شبه إجماع لقطاع واسع أن أصل قيادة المرأة هو الحِل، وأن قول بعضهم أو غالبيتهم للمنع هو لتقدير الحال الإدارية والمجتمعية وليس حُكماً بل فتوى تقديرية، ولا يعني ذلك إدانة الملايين من المسلمات خارج المملكة اللاتي يَقدن السيارات ومنها دول الخليج العربي، فيما أكّد الكثير من الشخصيات الإسلامية والشرعية قناعتهم بجواز الأمر، وأنه ينبغي أن يُنظم الأمر مرورياً وتُعطى التراخيص بناء عليه، وهذا الطرح الشرعي الواسع المختلف في التفصيل ينبغي أن يُحترم ويُقدّر ويحاور، وألا يُستدرج المجتمع لأصوات المتطرفين المحرضين أو مقابله من العنف الاتهامي من بعض المثقفين، وإن كانت مسؤولية بعض الوعاظ المتترسين بدعوى وعيهم الشرعي فيعممون ويضللون ويفسقون أكبر لأنهم ينسبون صراعهم الشخصي أو نقصهم العلمي للدين وهم تحت ضغط الصراع الفكري ومصالحهم التنافسية.

هنا نصل للمسار الثالث الأخير، وهو ضرورة أن تتبنى الدولة حسم هذا الملف بانتداب شخصيات شرعية ووطنية قديرة، تدرس الوضع مع نقاش مجلس الشورى المقبل فتوصي بالإعداد لهذا الاحتياج وتقويمه لتمكين المرأة من حقها الاحتياجي، وبالإمكان أن تُقسّم القضية ما دام هناك مخاوف، على سبيل المثال من الطرق الطويلة، فتُصدر لوائح قبل نهاية هذا العام بمنح أعمار محددة بعد الـ30، خصوصاً ذوي الظروف رخص قيادة السيارة في داخل الحواضر المدنية، أو الهِجر لأبناء البادية المحتاجين للتنقل، وتحظر القيادة في خارج الحواضر لخطورة تنقل المرأة اليوم في طرق سريعة مع ما يجري من تصدعات أمنية خطرة تثبتها الإحصاءات، ثم ينظر في الأمور الأخرى ذات الحاجة، أو الظرف الطارئ، أو الدائم الذي يعالجه السماح للمرأة بالتنقل بالسيارة لتحقيق ظروف أفضل لحياتها وأطفالها أو ذويها بعد ضوابط التعلم، إذ سيمثل لها هذا الفسح في الشريحة العمرية المناسبة اختراقاً لضغط أوضاع السائقين الذي تعاني منه الأسر السعودية، وإن بقي الاحتياج لهم قائماً، أما سد الأبواب بحجج تقديرية لم يرد فيها النص في سلسلة ماذا لو...؟ لتبرير موقف الرافضين على خصومهم فهي أجواء مؤسفة ولغة حين تَفرض روحها على المجتمع عبر القهر والطعن في أعراض الناس، فهي مؤشر على أن ثقافة الأزمة هي من يُدير الوطن لا ثقافة العدل الشرعي والوطني، ويبقى أن نؤكّد أن من له موقف كتقدير مصلحي للمجتمع ما يعتقده من سلبيات كنظام مروري واجتماعي فهذا حقه، لكن لا يجوز أن يُحوّل هذا التقدير لنص ديني يُحاكم النّاس بناءً عليه ويُطعن في دينهم، وأمام الجميع صورة دول الخليج وقيادة السيارة من الشريحة المحافظة دينياً واستيعاب هذا المجتمع للمسار، فلنتحاور بهدوء نحو نظام منضبط يُساعد المجتمع ويعينه على إنجاز حاجاته من دون ضجيج وحفلة صراع، بعضها مخلص وبعضها لحسابات أخرى.

 

 

* باحث سعودي.

mohanahubail@hotmail.com

 

@mohannaalhubail