نازحون من القصير إلى عرسال يروون أهوال هروبهم: لا «نصرة» عندنا ومقاتلو «حزب الله» أخرجونا من بيوتنا

نازحون من القصير إلى عرسال يروون أهوال هروبهم: لا «نصرة» عندنا ومقاتلو «حزب الله» أخرجونا من بيوتنا

حينما كانت «أم علي» تشرح كيف هربت وعائلتها المؤلفة من ثلاثة أطفال مع زوجها من مدينة القصير السورية مع بدء معركة فجر أول من امس، وصولاً إلى بلدة عرسال الحدودية اللبنانية ليلاً، استخدمت مصطلح أن الناس «انهزمت كل واحد راح بديرة». لكن المرأة التي لم يتجاوز عمرها الـ 22 سنة ويغطيها الغبار الأبيض من رأسها إلى أخمص قدميها المثقلتين بشوك البراري، لم تقصد بالهزيمة سوى مصـطلح «الـهرب»، فمديـنة القصـير، كـما يُـجمع الهاربون الجدد منها بسبب الهجوم المباغت الذي قامت به القوات السورية النظامية يساندها مقاتلون من «حزب الله»، لم تسقط، ويؤكدون: «هم استولوا على حارة الكنيسة والجامع والساعة، لكن هناك أحياء كثـيرة لا تزال في قبضة ثوار الجيش الحر».

«أم علي» جلست وعائلتها على رصيف خلف سيارة مركونة على الطريق المؤدي إلى مبنى البلدية في عرسال، بعد يوم شاق من النزوح من مكان إلى آخر وقضاء ليلة يتيمة في خيمة تقيم فيها عائلة سورية أخرى في عرسال لتبدأ رحلة البحث على مكان يؤويها، ولا تجده.

يقول نائب رئيس بلدية عرسال أحمد الفليطي، إن «البلدة المكتظة بالنازحين السوريين أصلاً يكاد عددهم يتساوى مع عدد سكان البلدة نفسها (27 ألف نازح سوري مقابل 35 ألف لبناني) إذا ما استمر النزف البشري من المناطق السورية المحاذية لعرسال ومنطقتها الحدودية الشاسعة، فالمنازل فاضت بسكانها وجمعيات الإغاثة الدولية والمحلية، لا سيما في مثل هذا اليوم بالذات، غائبة عن البلدة وتراجعت معوناتها للمحتاجين اليها إلى الصفر، ولا عجب إذا كان جوابنا للنازحين الشاكين: «إن وضعكم مثل وضع غيركم» كما قال الفليطي.

 

أهوال القصير

الذين تمكنوا من الانتقال من القصير إلى عرسال سيراً على الأقدام لمسافات تصل أحياناً إلى 40 كلم، وتارة بسيارات «بيك أب» أمّنها مقاتلو «الجيش الحر» لم يتعدَّ عددهم حتى صباح أمس أفراد بضع عائلات وصلوا متفرقين. ورحلة نزوحهم يختلط فيها الإنهاك الجسدي بالأهوال التي خبروها وتعجز ذاكرتهم عن استرجاعها، فيلخصون الكلام عن الموت والدماء التي تسيل يومياً بأنها «أشياء عادية».

قالت «أم علي»: «كنا نياماً حين هجم علينا الجيش والشبيحة ومسلحو «حزب الله» في الخامسة فجراً، أطلقوا النار على البيوت والنوافذ والأبواب، حملنا الأطفال وطلعنا نركض في كل الاتجاهات، على الطريق فقدنا أناساً كثراً كانوا يُقتلون أمام اعيننا، وصلنا إلى «حسية» ومن هناك أركبونا سيارة إسعاف إلى «قارة» ومنها إلى هنا. أثناء هروبنا رمونا بالقذائف وسقط 15 جريحاً. نعم، فوجئنا بالهجوم، لأننا لم نكن نتوقعه. كنا نسمع أن «حزب الله» متواجد خلف نهر العاصي لكننا كنا مطمئنين إلى أنه لن يعبره باتجاهنا، لكن حصل العكس».

أمام مبنى البلدية توقفت شاحنة انحشرت فيها عـشرات الأطـفال والنـسوة ورجـل واحـد غطت الرمال ثيابهم وجلودهم واختفت رموشهم وحواجبهم خلف الغبار الكثيف واتسعت أحداقهم من كثرة الخوف. مشهد لبشر يشبهون أولئك الذين كانوا ينجون بأرواحهم من انفجارات نيويورك، هل تذكرون؟ رفضوا التكلم لأنهم عاجزون عنه. قال الرجل كلمة واحدة: «اننا متعبون». لم ينزل احد من الشاحنة التي أكمل سائقها الطريق بحثاً عن مكان يؤويهم.

دار البلدية تكاد تقتصر مهماتها على معالجة أمور النازحين السوريين. قال محمود الآتي من القصير قبل يوم واحد من معركة فجر الأربعاء: «ابلغنا ضباط من «الجيش الحر» بضرورة إخلاء المدينة من النساء والأطفال والجرحى، بعدما اشتد القصف الجوي على المنازل والأحياء، فغادر النساء والأطفال عن طريق الحاجز النظامي، أما الرجال فعن طريق «حسية». تهت عن عائلتي ثم وجدتها في مسجد «حسية»، ولدي ابنة تعاني من إعاقة».

 

حصار الجرحى

وأضاف محمود: «الناس الذين هربوا من القصير باتجاه قراها الشمالية، مثل الضبعة والبويضة الغربية والصالحية، هم الآن محاصرون في هذه القرى بفعل طوق محكم من الجيش النظامي ومقاتلي «حزب الله»، الناس عزل من السلاح، وهناك نحو ألف جريح موزعين على المنازل والله وحده يعلم مصيرهم».

ويروي أنه حين «كانت القذائف تسقط على القصير كنا نتعاون نحن الرجال على انتشال الضحايا، وفي أحيان كثيرة كانت أجساد الجرحى مقطعة الأوصال، وكنا حين نحمل الضحايا تسيل منها الدماء كما يسيل الماء. نلف قتلانا بالشراشف البالية وندفنهم في جور نحفرها على عجل ولم نعد نضع شواهد عليها لافتقارنا لها، نكتفي فقط بطمر التراب فوق الضحية ونمضي».

ويقول «أبو محمد» وهو من النازحين من القصير فجر الأربعاء، إنه مشى سيراً على أقدامه من القصير إلى «حسية» في البساتين وبين الأشواك. ويشير إلى أنه شاهد مقاتلي «حزب الله» قبل 15 يوماً: «كانوا يلبسون اللون الأسود ويضعون قبعات على رؤوسهم وهم مدربون تدريباً متقدماً وأفضل من تدريب جيشنا النظامي، الواحد منهم حين يُقتل رفيقه يتركه خلفه ويتابع القتال ولا يأبه للموت. لا أدري ما إذا كانوا هم من يرتكب المجازر بحق الناس، لكنهم كانوا هناك بالتأكيد».

وتحدث «أبو عبدو» عن بداية تدخل «حزب الله» في معركة القصير قبل 15 يوماً، وقال نقلاً عن ابنه وهو مقدم منشق قتل قبل يومين في القصير، إن مسلحي «حزب الله» دخلوا أرضاً لا يعرفون طبيعتها، وكانوا في صدارة المتقدمين، إذ إن الجيش النظامي كان في الخطوط الخلفية، ما أفسح المجال أمام ثوار «الجيش الحر» للانقـضـاض عليـهم وسـقط منهم نحو 300 قتيل».

 

أبناؤنا يقاتلون لا «جبهة النصرة»

ويؤكد «أبو عبدو» أن «من يقاتل في القصير هم أبناؤنا ولا يوجد لدينا «جبهة النصرة»، أبناء البلد هم الثوار وليس من غرباء بيننا، وأولادنا ليسوا من «جبهة النصرة»، وصرنا نتمنى ان تأتي هذه الجبهة لتخلصنا من الجيش النظامي». ويوضح أن الكتائب التي كانت تتشكل من الثوار «كانت تختار الاسم الذي تريد أن تُعرّف به بطريقة عشوائية، فهناك كتيبة «أبو الوليد» نسبة لاسم قائدها، وهناك كتيبة «لا إله إلا الله» وكتيبة «الفاروق»، لكن لا علاقة للأمر بـ «جبهة النصرة» أو «القاعدة». إنها اسماء من وحي معتقداتنا وحياتنا ومعاناتنا».

ويصر «أبو عبدو» على تأكيد «حسن العلاقة مع القرى الشيعية المجاورة لقرانا، فلم يحصل أي شيء بيننا أباً عن جد». ويسأل: «من قال إن هناك حاجة لمن يدافع عنهم؟ ومن قال إنهم أعداؤنا؟ ومن قال إن «الست زينب» للشيعة فقط؟».

الحياة في القصير خلال معارك الأسبوعين الماضيين كانت تقوم على «أكل البرغل»، كما قال «أبو محمد»، ويضيف: «صرنا نذبح البقر التي نملكها في غياب أي طعام آخر، حتى وصل سعر كيلو اللحمة إلى مئة ليرة سورية فقط، بسبب وفرته، وإذا توافر الخبز كنا نصنع لطميات على وقود الحطب أو من حطام الأبواب والنوافذ التي هشمتها صواريخ الطائرات والتي كانت تواصل قصفها على مدار الساعة، ضربت المساجد ودمرت المنازل التي سويت بالأرض، أما الكنيسة فضربت قبل أسبوعين، وليس من جانب «الجيش الحر» بل من جانب القوات النظامية، لأنها ضربت من الجهة التي دخلت منها هذه القوات».

ويضيف أن «الجيش الحر» طلب من الناس المغادرة قبل عشرة أيام، وقالوا لنا: «المقاتلون أولى بالقطن والشاش من الأطفال، فخذوا أولادكم وغادروا»، لكننا رفضنا، و «أم حسن» المرأة المسنة المعروفة في القصير، رفضت المغادرة وتشبثت بمنزلها، لكنهم أصروا على وضعها في الشاحنة، التي أقلَّتها إلى قرى مجاورة، مثل الدمينة الشرقية وهي قرية مسيحية احتضنت أبناء القصير النازحين بل لاقت النازحين بالماء والخبز، علماً أن في القرية قوات نظامية، لكن السكان أبوا إلا استضافة الناس في منازلهم، كتّر الله خيرهم».

ويَعُدّ «أبو محمد» عائلات كثيرة من القصير فقدت العديد من شبابها في القتال، ويسمي عائلات: الزهوري وغندور ومطر والعتر، مشيراً إلى أن امرأة قضى أولادها السبعة دفعة واحدة.

وتؤكد «أم دياب» التي وصلت لتوها من القصير وخاضت المعاناة نفسها مع أولادها الستة وهي حامل الآن بتوأم، أن «حزب الله والجيش النظامي احتلوا المنطقة الشرقية من القصير ولم يحتلوا المدينة كلها، أخذوا نصف السوق حيث الجامع الكبير، هناك أناس لا يزالون يقاومون».

وتصف ما يحصل بأنه «مذبحة، زوجي تركته في القصير لأنه مصاب في خاصرته ولا أعرف مصيره، قالوا لنا ابقوا في الملجأ لكنني لا أستطيع، ابني يعاني من الربو وأنا حامل لا نستطيع تحمل رطوبة الملجأ. قالوا غادروا البلدة ، مشينا نحن النساء مع أطفالنا إلى «قارة» في طريق ترابية وبرفقة الثوار وركبنا السيارة ووصلنا إلى عرسال».

وتضيف: «نحن أناس فلاحون، كنت أحلب البقرة في الخامسة صباحاً حين قالوا لنا غادروا البيوت، حملت طنجرة الحليب ووضعتها على الموقد لأطعم أطفالي ولم أتمكن. غادرنا على عجل وأطفالي الآن من دون طعام».

تبكي «أم دياب» أمام أطفالها الحفاة والمرضى، وتعينها قريبة لها ملثمة جاءت معها إلى البلدية للبحث عن إعانات، فتقول: «تأتي المنظمات الإنسانية يوزعون المساعدات ويلتقطون الصور وحين ينتهي التقاطها يقولون: سكّرنا. رمونا في الجبل، يعتقدون أننا شحاذون، نحن لم نغادر القصير إلا غصباً عنا، عندما اقتحمها «حزب الله» والنظام، تحملنا الراجمات والطائرات، لكن الحزب أخرجنا من بيوتنا، إنهم يقتلون أزواجنا وأخواتنا، ليس منهم أحد من جبهة النصرة كما يدّعون، وإذا كانت طالعة ذقونهم فلانهم غير قادرين على حلاقتها».

تكفكف «أم دياب» دموعها وتقول: «تركت كل شيء في البيت على حاله، ولا أعرف مصير البقرة، هل ما زالت حية أم ماتت».

 

10 صواريخ تستهدف بعلبك واشتباك بين مسلحين سوريين وحاجز للجيش في عرسال

البقاع الشمالي يتابع حياته على وقع الحرب السورية

 

الطريق إلى عرسال محفوفة، بحسب الأخبار التي تتوالى على المحطات التلفزيونية والإذاعية، بالمخاوف من القصف الفجائي الذي ترد الأنباء العاجلة بأنه طاول وسط البلدة (ذات الغالبية السنية) أو قلب مدينة بعلبك (المختلطة طائفياً)، لكن حركة الناس الصباحية البطيئة في المكانين تطمئن إلى أن ما حصل ربما كان عابراً أو أنه مضخم بالنسبة لمن يرصد واقعاً غير ذلك الذي نراه عبر الشاشات.

غير أن صور «شهداء حزب الله» التي تعلو على أوتوستراد بعلبك - الهرمل واللافتات التي تحمل صور أمينه العام السيد حسن نصر الله وإحداها مذيلة بعبارة «الروح ترخص لك يا حارس عزتنا»، تـشـير إلى أن الـحيـاة في هذه المـنطقة لم تعد كما كانت، فعلى هـذه الطـريق مـواكـب تعـبر باتـجاه الهرمل حاملة صـور «شـهيد» جـديد يـستـعد ركابهـا لتـشـيـيعه. واـلقذائف العـشـرة التـي سـقـطت في بعلبك ليل أول من أمس، وأدت إلى جرح شخص وأضرار مادية، تولد قنـاعة مـتضاربة لدى الـناس عـن قـبول ما يـحصل بـوصفه ضـريبة أو القلق منه.

وكانت قيادة الجيش اللبناني- مديرية التوجيه أعلنت في بيان أن عشرة صواريخ سقطت على بعلبك مصدرها الجانب السوري، وجال رئيس بلدية بعلبك محمد حسن على رأس وفد من المجلس البلدي على أماكن سقوط الصواريخ في الحي الغربي لبعلبك في الشراونة، والتل الأبيض، ومحطة تحويل الكهرباء والمنازل المتضررة في البساتين.

أما في عرسال، فسقوط القذائف السورية عليها يولد قناعة مختلفة، أنه الإحساس باليتم المتعمد من جانب الدولة اللبنانية تمهيداً لتوريطها في المعركة المقبلة بعد القصير، معركة المنطقة المحاذية لعرسال وامتداداتها شمالاً وجنوباً.

ويروي شبان عراسلة بغضب شديد أن مسلحين سوريين من الثوار «تاهوا على الطريق ووصلوا إلى عند حاجز للجيش اللبناني عن طريق الخطأ فجرى اشتباك مع الجيش ما أدى إلى مقتل مسلحين اثنين»، وكان رئيس البلدية علي الحجيري تابع الحادث ليلاً من موقع الجيش نفسه.

وأوضحت قيادة الجيش لاحقاً تفاصيل ما حصل بـ «أن مسلحين يستقلون سيارة نوع بيك آب هاجموا حاجز الجيش في منطقة وادي حميد - عرسال ليل أول من أمس، وأطلقوا النار باتجاه عناصره، واشتبك عناصر الحاجز مع المعتدين، ما أدى إلى مقتل مسلحين اثنين أحدهما من التابعية السورية، فيما لاذ الباقون بالفرار. وعند الساعة 2,30 فجراً، اشتبك عناصر الحاجز مع مجموعة مسلحة أخرى أقـدمت على إطـلاق النار باتجاههم من دون وقوع إصابات في الأرواح. وضبطت الـسـيارة المذكورة وفي داخلها كمية من الأسلحة الحربية والذخائر».

وشهدت عرسـال في اليوم نفـسه سقوط خمسة صواريخ من طوافة تابعة للقوات السورية باتجاه محلتي البابين وطريق الجمالة في منطقة عرسال، انفجرت ثلاثة منها.