«قطار اسطنبول» لغراهام غرين: صورة لمجابهات الحياة نفسها

«قطار اسطنبول» لغراهام غرين: صورة لمجابهات الحياة نفسها

ابراهيم العريس |

في رواية أغاثا كريستي التي تدور أحداثها في قطار الشرق السريع، جريمة تحدث داخل حافلة القطار، ومجموعة من الناس يسعون لمعرفة من هو القاتل، في الوقت الذي يمكن القاتل أن يكون أي واحد منهم... أو جميعهم. في ذلك المكان المغلق من الداخل، والمنفتح على أوروبا كلها من الخارج، وضعت سيدة الرواية البوليسية شخصياتها وجعلتهم جميعاً يتحلقون من حول الحدث، بحيث إن القطار صار مكاناً لا أكثر. وفي رواية غراهام غرين «قطار اسطنبول»، هناك هذا القطار نفسه، وهناك أيضاً شخصيات متعددة تتقاطع وتتصادم في ما بينها. لكن الرحلة هذه المرة، من اوستاند في بلجيكا، الى اسطنبول في تركيا، تصبح هي الحكاية. لم تعد مجرد مكان، صارت كناية عن صورة تخيلها الكاتب، للعالم، وهو في الثامنة والعشرين من عمره... حين كان لا يزال يخطو خطوات مبكرة في عالم الكتابة الروائية الذي جعل منه واحداً من أبرز كتاب القرن العشرين وأكثرهم شعبية. ذلك أن غراهام غرين، على رغم امتلاء رواياته بالافكار - والافكار الصعبة المنال أحياناً - حرص دائماً على أن يكون كلاسيكياً في سرده، بسيطاً في الاطار العام لموضوعاته، وواضحاً في رسمه لسيكولوجيات شخصياته ودوافعها. فهو، وكما سيقول لاحقاً عشرات المرات، كان يكتب لكي يُقرأ، لا لمجرد أن يكتب. وهو بهذا انتمى في القرن الفائت الى ذلك الرهط من الكتّاب الذين أوجدوا كلاسيكية العصر وبيعت أعمالهم بعشرات ملايين النسخ وحُوّلت أفلاماً ومسلسلات تلفزيونية كشفت دائماً عن أن ذلك النوع من الأدب يولد مباشرة من رحم الحياة وتجاربها، لا من رحم الأفكار. لذلك، حتى وإن كان غراهام غرين قد نال حظوة لدى النقاد الجادين - مثله في هذا مثل لورانس داريل، وألبرتو مورافيا، وجوزف كونراد وهنري جيمس -، فإنه أصرّ دائماً على ان يلحق النقاد ونظرياتهم بأدبه، لا أن يقوم هو بمطاردتهم.

> والحال ان «قطار اسطنبول» تقول هذا كله، حتى وإن كانت لا تبدو على قوة أعمال اخرى لاحقة لغراهام غرين. ولا ننسى هنا أن هذه الرواية كانت، في عام صدورها 1932، ثالث رواية يكتبها غرين وينشرها... بل الأولى بين رواياته الكبرى، إذ إن الروايتين اللتين سبقتاها «الرجل في الداخل» (1929) و «اسم الفعل» (1930)، ستعتبران أعمالاً أولية ثانوية في مسيرة غرين. ومن هنا، فإن جزءاً من مكانة «قطار اسطنبول» يكمن في أنها العمل الذي مهّد لأعمال غرين الكبيرة التالية.

> ومع هذا ليست «قطار اسطنبول» في سمتها الخارجية الظاهرة، على الأقل، سوى رواية مغامرات وأحداث متلاحقة... وهذه الأحداث تدور خلال ثلاثة أيام، وهي أحداث شيقة تقطع على القارئ أنفاسه وتجعله متطلعاً أمام كل حدث وموقف، لمعرفة المزيد والانتقال الى ما يليه. غير ان هذا ليس سوى الإطار الخارجي للعمل... ذلك ان الاحداث التي نشير اليها هي أحداث تدور من حوله شخصيات محددة: هي شخصيات اجتمعت هنا بمحض الصدفة، كما يحدث لأي مجموعة من هذا النوع. وحّد بينها كونها التقت في القطار المتجه عبر الأراضي الأوروبية. ولأن هذا القطار يواصل رحلته ليلاً ونهاراً، مع توقف هنا أو هناك، تضحى عربة القطار أشبه بعالم مغلق على ذاته، وأيضاً عالم يغلق الشخصيات على ذاتها، ليجعل كلاً منها على مجابهة مع الشخصيات الأخرى. وليس بالضرورة بالمعنى الصراعي للكلمة. فليس هنا ثمة، على أي حال، محاور لصراع... ومثل هذه الرحلة هو أمر يحدث كل يوم، فلا داعي الى ان تكون له أبعاد استثنائية. وهكذا يصبح ما نشهده في ذلك القطار، موقفاً عادياً لشخصيات عادية، بل إن اكثر الأحداث غرابة وتشويقاً، تظهر كأحداث عادية. ما يعني اننا هنا في جانب هنري جيمس، أكثر مما نحن في جانب جوزف كونراد، الذي كان غراهام غرين يعتبره استاذاً كبيراً له. ولكن، لأن كل عادي يحمل في طيّاته ما هو غير عادي، يصبح المحور هنا هو تلك اللقاءات بين شخصيات أساسية تقدمها لنا الرواية تباعاً: من مايات الى السيد أوبي، الى كورا الى ماسكر ومس وارن وبيترز: كلهم أناس عاديون، في رحلة عادية... ولعل هذه العادية هي ما يعطي العمل قوته ويعطي اللقاءات قوة التعبير عن الحياة. إذ اننا بعد تعارفات اللحظات الأولى، نجدنا أمام الحياة نفسها... أمام الحياة وقد تنبهنا، من خلال الموقف العام، اننا في خضم عيشنا لها، ننسى تفاصيلها، ثم ننسى وجودها. وغراهام غرين هو هنا، ليذكرنا بذلك الوجود من خلال شخصيات هذه الحياة: إذ اننا، وبسرعة، نجدنا، من خلال تقاطع الشخصيات وحواراتها وردود أفعالها على أي شيء يحدث، شهوداً على المجابهة بين المال والفقر، بين القوة والضعف، بين الغيبية المطلقة والمادية المطلقة... أو، كما يقول دارسو أعمال غرين: في هذا القطار من أوستاند الى اسطنبول، يتجابه كل شيء وصولاً الى تلك المجابهة بين ما هو تقليدي وامتثالي، وما هو ثوروي متمرد. صحيح ان هؤلاء الدارسين نفسهم يأخذون على الرواية شيئاً من الثقل في التعبير عن الرموز والكنايات (ولكن ماذا نريد يا ترى من عمل كتبه في العام 1932 شاب عشريني كان اكتشف الإيمان الكاثوليكي حديثاً، وأراد أن يعبّر عنه من خلال المهنة الوحيدة التي كان يشعر انه يتقنها في ذلك الحين: مهنة الكتابة الروائية؟)، غير ان هذا بالذات هو ما جعل عيون النقاد تنفتح على ذلك الكاتب الشاب، اذ تحدثوا عن «تأرجح خلاق لديه بين كونراد وهنري جيمس»، في اشارة لعلها الأولى في ذلك الحين الى ضرورة ان يكون التعاطي مع أدب غرين، جدياً للغاية.

> فكيف إذا عرفنا أيضاً ان «قطار اسطنبول» التي كتبت ونشرت قبل سبعة أعوام من اندلاع الحرب العالمية الثانية، أتت وكأنها تتحدث عن بذور تلك الحرب؟ كيف اذا رأينا - في نهاية الأمر - في المجابهة - السلمية وإنما الحادة - بين الشخصيات، صورة مخففة وتنبؤية في الآن عينه، للصراع المقبل؟

> هذه الصورة رسمها غراهام غرين من خلال سبره جوّانية الشخصيات، ومن خلال تحديده البيّن للخلفيات الاجتماعية التي، الى سيكولوجيتها، هي ما يحكم تصرفاتها، حتى وإن كان هذا التحديد، لا يزال هنا بدائياً، مقارنة بما سيصير عليه في روايات مقبلة لغرين. وفي المقابل، نجد أن البعد الروحي الجوّاني للعمل، يبدو تأسيسياً وعلى أحسن ما يكون. أما المفصل الأهم في «قطار اسطنبول» فهو رجال الشرطة الذين يطاردون مجرماً، ما يخلق ردود فعل متنوعة لدى الركاب، لأن من خلال هذه المطاردة تبرز حكاية تهريب الأسلحة عشية الحرب... ومن هنا نجد الشخصيات نفسها على تماسّ مباشر مع الحرب... ولا تعود الحرب مجرد خوف يعتري الشخصيات، بل شعور عارم... تصبح هي الشر معبَّراً عنه بجماهير غامضة تلوح من خلال نوافذ القطار، مهددة مهددة، في انتظار شيء ما... ولعل هذا الانتظار يشكل أقوى ما في هذه الرواية، اضافة الى ما سنكتشفه من استحواذ صورة أب شنق لأسباب سياسية على ابنه، الذي هو مرافق، المجرم المطارد. وهكذا، ينبثق الشر فجأة وسط الرواية، ليواصل حضوره بعد ذلك في عالم غراهام غرين الروائي حتى النهاية.

> غراهام غرين (1904 - 1991) هو، كما نعرف، أحد كبار كتاب الانكليز، وتميزت كتابته دائماً بتأثره بالمذهب الكاثوليكي الذي اعتنقه باكراً في حياته، كنوع من الاحتجاج على جمودية بريطانيا المذهبية... ومع هذا، لم يتوان غرين عن خدمة بريطانيا هذه، كعميل سري في واحد من أزمان مساره الحياتي والمهني، ما شكّل خلفية أسفاره الكثيرة التي كانت بدورها في خلفية أبرز أعماله الروائية التي طبعت القرن العشرين، ومنها «جوهر المسألة» و«القوة والمجد» و«الأميركي الهادئ» و«الخاسر يأخذ كل شيء» و«العامل الانساني».

 

alariss@alhayat.com