«الإسكوريال» في إسبانيا: الخروج من عصر التفتيش لدخول العالم

ابراهيم العريس |

حتى وإن لم تكن مكتبة الإسكوريال الإسبانية واحدة من أكبر مكتبات العالم وأهمها، وهو على أيّ حال أمر يعتقده كثر ما إن يذكر اسم هذا الصرح المعماري أمامهم، فإنها واحدة من أجمل المكتبات وربما أغناها بالمخطوطات التي تعود من ناحية الى عصور الأندلس العربية الإسلامية، ومن ناحية ثانية الى بدايات النهضة الحضارية التي ولدت في إسبانيا القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ولا سيما بعد أن بدت رغبة هناك في التخلص من آثار محاكم التفتيش. إذا على رغم ذلك الوضوح في الغاية التي اكتستها مكتبة الإسكوريال، لا بد أن نذكر أن الغاية الأولى من تشييد المبنى الذي يضمها، كانت جعله ديراً للآباء الهييرينوميين ليصبح بعدهم في عهدة الآباء الأوغسطسنيين(منذ 1885)، ولا سيما حين راح المبنى كله يكتسب سمعته الكبرى بوصفه مكتبة وليس موقعاً دينياً يستحق اسمه الأصلي: «ريال موناستيرو دي سان لورانزو ديل إسكوريال» ليختصر بعده الى «إسكوريال» الذي يُعرف به اليوم.


> مهما يكن من أمر، نعرف أنه بالنسبة إلى ملايين السياح الذين يزورون إسبانيا سنوياً، في زمننا هذا، قد لا يكون مبنى «الإسكوريال» سوى مكتبة تعتبر من أغنى مكتبات العالم في ذلك المجال الذي أشرنا إليه أعلاه، ومبنى رائع الحسن يحتاج المرء الى الابتعاد نحو 30 كيلومتراً الى الشمال الغربي من مدريد لزيارته. ولا شك في أن المرء لا يخرج من تلك الزيارة خالي الوفاض. فالكتب الثمينة هناك، والمخطوطات العربية الرائعة هناك وألوف الكتب المصورة باليد والمحتوية على منمنمات رائعة هناك، بحيث إن الزائر يحس عبق التاريخ وعبق الأدب وعبق الفن في وقت واحد. لكن هناك أيضاً الى جانب ذلك كله، الامتزاج الرائع بين المكان والطبيعة المحيطة به. غير أن ما يفوت المرء عادة، إذ يؤخذ برؤية ما يشاهده، إنما هو الدلالة التي يرتديها المبنى.

> فالإسكوريال ليس مبنى عادياً، أو على الأقل، لم يكن كذلك حين أقيم بين عامي 1563 و1584 في عهد الملك المتنور فيليب الثاني وكان أكثر من قرنين من الزمن قد مرّ على سقوط الحكم العربي/ الإسلامي في الأندلس. ففي ذلك الحين كان بناء الإسكوريال يعتبر رد فعل أساسياً على ما طرأ على إسبانيا من تبدلات وتغيرات تلت انتهاء ذلك العصر العربي الذي لا يزال يعتبر الى اليوم واحداً من أكثر وأغنى عصور التلاقح الحضاري في التاريخ البشري، حتى ذلك الحين على الأقل. صحيح أن الفوضى التي عمّت إسبانيا خلال القرنين التاليين لسقوط الأندلس، كانت قد أنست الناس تلك الحقيقة لتنبثق محاكم التفتيش وتمعن في إغراقها في بحر من الظلام والدم والاضطهاد، فبات، بالنسبة الى الملك فيليب الثاني، من الملائم الآن، وإسبانيا تدخل العصور الحديثة، أن يقلب صفحة من تاريخ بلاده وربما كردّ فعل على ظلامية عصر التفتيش. وكأن فيليب الثاني حين كلف المهندسين خوان باتيستا دي توليدو (الكليكلي) وخوان دي جيريرا الذي سينفرد باستكمال المشروع بعد رحيل الأول، إنشاء ذلك المبنى تكريماً لذكرى والده الإمبراطور السابق شارلكان، انما كان يريد القول إن عصور الظلمات انتهت وإنه حان الوقت للعودة الى شيء من العقلانية. فهل نضيف أن فيليب الثاني كان واعياً في ذلك الحين لواقع أن أية عودة لبلاده الى كنف العقلانية، إنما تبدأ من استعادة عصور التلاقح الفكري والثقافي التي ساد فيها التلاقي بين الأديان التوحيدية الثلاثة، في قرطبة كما في إشبيلية، وفي غرناطة كما في بقية المدن والمواقع الأندلسية على شكل تمازج ثقافي وعلمي عز نظيره؟ طبعاً، لا يمكننا أن نحكم على نوايا سيد إسبانيا في ذلك الحين واستنتاج أنه كان واعياً حقاً للدلالة التي سوف يتخذها قراره بأن يبدأ تحديثه بلاده بخطوات منها إنشاء ذلك المبنى. مهما يكن من أمر، نعود هنا الى المبنى نفسه، لنشير الى أنه كان قد بات، في وسع فيليب الثاني أن يختار العودة الى الهندسة المعمارية التي سادت خلال العصور العربية، لأنها ظلت أجمل وأكثر رسوخاً، من العمارة القوطية وعمران «الدقة الجوهرجية»، التي سادت خلال العقود الأولى من استعادة الإسبان شبه الجزيرة الأيبيرية كرد فعل على عقلانية العمارة العربية، وتعبير عن عودة الى الأساليب التنميقية، والنمنمة والتحذلق في وقت كان على القائمين بالأمور أن يحيطوا كل شيء بقداسة وغموض لتبرير هيمنة الغيب والكنيسة على الشعب.

> إزاء هذا كله، إذاً، لم يكن من قبيل المصادفة أن يختار فيليب الثاني المنطقة التي أقام عليها المبنى، في وسط طبيعي رائع الحسن، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يعهد بالمشروع الى ذينك المهندسين. فهما، الواحد بعد الآخر، درسا الهندسة المعمارية في إيطاليا، وفي خضمّ عصر نهضتها الذي أشع على العالم كله، أو على الأقل، على أوروبا، مبسّطاً الزخارف والواجهات، معيداً الى الإنسان إحساسه بأهميته، بعدما كان كل شيء يحاول أن يجعل منه صغيراً. في هذا المعنى ينتمي بناء الإسكوريال، الى بدايات تلك النهضة العمرانية التي ستظل سائدة حتى العصر الصناعي، والتي راحت تجدد إحساس المرء بأهمية المكان، النهضة التي بأكثر من الاكتفاء بما يبهر، لجأت في العمران، كما في الفنون الأخرى الى تلك الأبعاد التي تعرف أن ما يهم الآن ليس الإبهار والتضخيم، بل إشعار المرء بأنه في حضرة أسلوب قام الجهد على جعله ملائماً له ولإحساسه المتجدد بأن ما هو موجود، إنما هو موجود من أجله، وعلى هذا النحو اكتسب المبنى شعبيته الكبيرة منذ سنواته الأولى، وبالتالي سوف يصبح من الطبيعي، على الأقل منذ القرن السادس عشر، أن يصبح الجناح الملكي فيه وحتى وإن كان قد خُصّص للملك وأثاثه، يضم واحدة من أروع المجموعات الفنية التي أُتي بقطعها من العديد من الأماكن والبلدان. ولنضف الى هذا كيف أن هذا المتحف الكبير، ذا الأصل الملكي، سرعان ما بات متحفاً للعموم، ينافس اليوم تلك المكتبة التي تغلب سمعتها على سمعة أي مكان آخر داخل المبنى وخارجه، ولا سيما باحتوائها على ما لا يقل عن خمسة آلاف مخطوطة وأربعين ألف كتاب وأعداد لا يستهان بها من الوثائق.

> ويبدو هذا كله، ضمن إطار الهندسة التي كانت للإسكوريال، وكأنه كان الغاية الأساسية من إنشاء هذا المبنى– لا ينبغي أن ننسى هنا، على أي حال، أن الأديرة نفسها كانت في معظم الأحيان، تضم المكتبات والمجموعات الهائلة من المخطوطات، وكان من الطبيعي ألا يشذ الإسكوريال، الذي أُنشئ كدير وكنيسة في المقام الأول، عن تلك القاعدة. ولنقل في السياق نفسه أنه لم يكن من قبيل المصادفة كذلك، أن يتحول ذلك المبنى البالغ طوله 208 أمتار وعرضه 162 متراً، الى مركز للإشعاع الفكري، ما إن فتحت المكتبات والمتاحف والقصور أمام الجماهير المحلية والأجنبية تزورها، وأمام الباحثين يقصدونها للدراسة. واللافت هنا أن يكون المهندسان اللذان أنشآه، واحدهما بعد الآخر، اختارا زوايا واضحة، إنسانية الطابع، حتى وإن كانت الغاية الأولى من إنشاء المبنى تخليد ذكرى القديس لورانزو وحكاية صلبه واستشهاده. فالحال أن تأملاً في المبنى وشكله ووظائفيته، سيقول لنا إن مشيديه- من الإمبراطور والمهندسين وبقية العاملين فيه- كانوا يتوقعون له منذ البداية أن ينفك بسرعة عن وظيفته الدينية ليعانق وظيفة فكرية وإنسانية فائقة الأهمية.

> اليوم يعتبر مبنى الإسكوريال واحداً من أجمل المزارات الإسبانية، ومكتبة من أروع المكتبات في العالم. ولا شك في أن الزائر العربي إذ يقصد المبنى، وإن كان أقل مما يقصد قصر الحمراء أو مواقع عربية أخرى، سوف يشعر بفخر كبير لأنه- وهذا أمر طبيعي- يتضمن في أجنحته، وعلى رفوفه ألوف المخطوطات العربية وألوف الكتب، التي تشكل تراثاً عربياً اسلامياً قائماً في ذاته. ومهما يكن من الأمر فإنه من الصعب اليوم النظر الى الإسكوريال بوصفه المبنى الأكثر تمثيلاً للعمران الإسباني، أندلسيا عربياً كان أو قوطياً، بل هو بالأحرى إشارة مهمة الى دخول إسبانيا ما بعد الاسلام وما بعد محاكم التفتيش، عصراً كوزموبوليتياً، اذ علينا ألا ننسى هنا أن إسبانيا، في زمن بناء الإسكوريال، كانت بدأت تصبح مكاناً عالمياً بامتياز، يهاجر اليه الفنانون والكتاب ويعملون وينشطون، في استعادة لمناخات الأندلس أيام الحضارة العربية، وما بناء الإسكوريال إلا التعبير الأسمى عن ذلك.