«نعيب سنابنا .. والعيب فينا»

نايف معلا |

ما إن أُطلق تطبيق سنابشات (Snapchat) ضمن تطبيقات الأجهزة الذكية، حتى تلقفناه تلقف الظمآن للماء، وبوأناه مرتبة الرفيق الذي يصحبنا إلى كل مكان وفي كل زمان؛ إلى درجة أنه أصبح جزءاً من حياتنا لا نكاد نستغني عنه.


الإشكال الأكبر، أن تأثيراته السلبية لم تقف عند حد الانشغال به عما هو أهم، وعن الاستمتاع بالحياة وممارسة اليوميات ببساطة ومن دون أدنى تكلف، بل تجاوز ذلك إلى التأثير السلبي في منظومة القيم بمختلف مجالاتها، القيم الدينية، والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، وغيرها! وليس من المنطق أن نرمي هذا التطبيق العصري الذي له فوائده وإيجابياته، بالذنبِ والوزْر، بل استعمالنا الخاطئ هو المُذنب والموزور، وليسمح لي الجلال السيوطي (إن صحت الروايات) أن أضفي تعديلاً يسيراً على بيته الشهير الذي يقول في مطلعه: نعيب زماننا، ليصبح: نعيب «سنابنا» والعيب فينا، وما «لسنابنا» عيبٌ سوانا.

فكم رأينا مشهوراً من مشاهير «سنابشات»، يفتي في المسائل الشرعية بغير أدنى علم، وآخر يسطو على الملكية الفكرية والأدبية، وثالثاً يبث الفرقة ويروّج للعنصرية، وغيره يروِّج لسلع رديئة أو مغشوشة بعبارات جاذبة كاذبة!

أكثر من ذلك، الواقع الكئيب وغير الصحي الذي فرضه استعمالنا الخاطئ لتطبيق «سنابشات»، ومنه التكلُّف غير المبرر في تصوير اليوميات والمثالية الزائفة والتمظهر، إلى درجة أن كثيراً منَّا أصبح لديه شخصيتان، شخصيته الحقيقية، وشخصيته «السنابية»، فتجده في الواقع شخصاً مختلفاً تماماً عن الشخص الذي رأيته في حسابه على «سنابشات»، وغاية السوء أن يصل الأمر إلى النهي عن خُلُقٍ هنا والإتيان بمثلهِ هناك.

أيضاً، يُلاحظ تفشي المقارنات والمزايدات «السنابية» - إن صحَّ التعبير - بين الأشخاص والأسر، فلان أو آل فلان سافروا إلى مدينة أوروبية، لا بد أن نسافر إليها أو إلى مدينة أفضل منها، ذهبوا إلى المطعم الفلاني، لا بد أن نذهب إليه أو إلى مطعمٍ أرقى منه! بل إن البعض صار يفتش عن أماكن غير مستهلكة «سنابياً»، ويصطنع الأحداث والرحلات واليوميات لغرض التصوير «السنابي» فقط.

حكى لي كثيرون أن هناك شباناً وفتيات يدخلون إلى المطاعم، والمقاهي، والمتاجر، لا للشراء بل للتصوير فقط، وحكى لي أحد الإخوة أن شخصاً من سكان الرياض ألحَّت عليه أسرته بطلب السفر إلى المنطقة الشرقية في إحدى الإجازات القصيرة، فرفض رفضاً قاطعاً، وقال لكم عليَّ أن آخذكم إلى أقرب لوحة إرشادية مكتوب فيها الدمام لتلتقطوا لها صوراً، وتنشروها عبر حساباتكم في «السناب»، صحت القصة أم لم تصح، هذا هو واقعنا! أقترح على السفارات، وشركات السفر والسياحة، والفنادق، أن تضع خياراً جديداً في طلبات التأشيرة أو الخدمة أو الإقامة، ضمن خيارات الغرض من السفر، وهو السفر بغرض تصوير «سنابات»!

هذه الممارسات، إضافة إلى أنها بحد ذاتها تمثل إشكالاً قيمياً وثقافياً واجتماعياً، لها تأثيراتها السلبية في اقتصادات الأسرْ، سيقول البعض إن تلافي هذه التأثيرات يقع على عواتق أرباب الأسر، وهذا صحيح، ولكن هناك من لا يستطيع أن يرد لأسرتهِ طلباً، لاسيما وإن أوقعوه في شرك المقارنة بغيرهم، المشكلة الأكبر أن يجد رب الأسرة نفسه في مقارنة مع من لم يبلغ مدهم ولا نصيفهم بالثراء في أعين أولاده، عندها سيلعن أولئك الأثرياء المسرفين، ويلعن «سنابشات» الذي أظهر عوالم كانت مختفية عن أولاده، هذا بحد ذاته كافٍ لوصف هذه الحالة بالمشكلة الاجتماعية.

إذاً ما العمل؟ الحل ليس صعباً، بل يحتاج أن يقوم كل طرفٍ من أطراف الحل بالدور المطلوب منه، على الأجهزة الحكومية المعنية أن تعمل جاهدةً للقضاء على المخالفات الشرعية والنظامية التي تمارس أو يروَّج لها من خلال مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي بما فيها «سنابشات» بسن القوانين، واتخاذ الإجراءات اللازمة، والملاحقات القضائية، وهو تدخلٌ مشروع طالما أنه يرمي إلى حماية حقوق الآخرين أو سمعتهم، أو النظام العام، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، وغيرها من القيود القانونية المفروضة على حرية الرأي والتعبير وفقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وإطلاق الحملات الرامية إلى تنمية الوعي بالاستعمال الصحيح لتلك المواقع والتطبيقات، ومكافحة تلك الممارسات وتأثيراتها.

أما أنا وأنت وغيرنا من أفراد المجتمع، فليس علينا إلا «ضغطة زر»، أو إلغاء متابعة مسيئي استعمال تلك المواقع والتطبيقات، وخصوصاً متسولو الإعلانات، والإبلاغ عن المخالفات الشرعية والنظامية إن وجدت.

naifmoalla@