عمالة الأطفال «رهينة» التشدّد والحريات ... وضعف المؤسسات

عمالة الأطفال «رهينة» التشدّد والحريات ... وضعف المؤسسات
القاهرة – أمينة خيري |

مشهد الطريق الرئيسي في مدينة الشروق المتاخمة للقاهرة، أصبح طبيعياً على الرغم من كونه غير إنساني ومنتهكاً القوانين. عشرات الأطفال، بعضهم دون سن الثامنة، يرتدون الزي الأخضر الذي يرتديه عمّال النظافة، ويمسكون بمقشات ضِعف طولهم. يفعلون كما يفعل آباؤهم وأعمامهم وأمهاتهم وأخواتهم المتناثرون على جانبي الطريق. يزيحون الأتربة والقمامة ويكوّنون منها تلالاً صغيرة، ثم يجمعونها في عبوات بلاستيك كبيرة.


وبحكم السن، وما إن تغيب أنظار الكبار عنهم، حتى ينتهزوا فرصة وجود عبوة مياه غازية على الأرض فيعاملونها معاملة الكرة، أو يرفعونها بحرصٍ لعلّ في داخلها بقايا من هذا المشروب اللذيذ.

أحياناً، يمرّ الملاحظ في سيارة حكومية، يتأكّد من سير العمل كما ينبغي، يعتقد أن الصغار سيلوذون بالفرار ما إن تظهر سيارة الحكومة لأن عمل الصغار ممنوع بحكم القانون. لكن ما يحدث هو العكس تماماً، إذ يتصرّف الصغار كما يتصرّف أقرانهم في قاعات الصفوف المدرســية حين يباغتهم ناظر المدرسة بالتفتيش على سير العملية التعليمية. الفارق الوحيد هو أن هؤلاء يكنّسون بحماسةٍ شديدة ويجمعون القمامة بهمةٍ كبيرة، في حين أن أولئك يجلسون معتدلين ويقبضون على الأقلام استعداداً لحلّ ما يُطلب منهم من أسئلة وامتحانات.

لقد بات امتحان استمرار مصر في تطويق ظاهرة عمالة الأطفال صعباً. ففي ظل سنوات الفوضى والتعثّر والتراجع على مختلف المستويات بعد اندلاع ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، واجهت المؤسسات والجمعيات والجهات العاملة في مجال مكافحة عمالة الأطفال والوقاية منها عراقيل كثيرة. فبين تفتّت مؤسسات رسمية كانت تتولّى هذا الملف قبل 2011، والتي حققت فيه إنجازات ضخمة سواء من حيث المواجهة أو التوعية، وتعثّر عمل جمعيات المجتمع المدني، سواء لوقوعها في مشكلات اقتصادية أو للتضييق عليها، خوفاً من شبح الأهداف المسيّسة لـ «التمويل الأجنبي» أو «سباق الأرانب» الذي ضخّ 16 مليون مولودٍ إضافي من 2011 إلى 2017.

وأطاح «سباق الأرانب» الذي تعلن فيه قوى التشدد ونقيضها من جماعات الدفاع عن حقوق الإنسان انتصارها على الدولة، حقاً أساسياً من حقوق الطفل، ألا وهو الرعاية والحماية والتعليم. أم سيد يلقبها جيرانها في منطقة «أوسيم» (الجيزة) بـ «الأرنبة»، لها من الأبناء والبنات تسعة والعاشر في الطريق. وفي كل ولادة - وبينما جاراتها يهنئنها ويطالبنها بالتوقف عن الإنجاب حيث لم تعد شقتها ذات الـ70 متراً مربعاً تتحمّل مزيداً - تقول: «أصله جه غلطة (جاء خطأ)!».

لكن، من يعرف «أم سيد» من قرب، يعرف تماماً أن عيالها مصدر إضافي وغير مكلف للرزق. ابنها البكر سيد ميكانيكي سيارات، وحسن حداد، ورقية تعمل في تنظيف المنازل، وشيماء تعمل في مصنع، وشادي يعمل على «توك توك»، وهلم جرا. ولأن أقدام أبنائها قلما تطأ أرض مدرسةٍ، وإن فعلت لا تستمر أكثر من سنتين أو ثلاث في أبعد تقدير، فإن الشارع يربيهم منذ نعومة أظفارهم. أما لقاحات المواليد الجدد فتوفرها الدولة من دون مقابل، ولديها بطاقة تموين تحصل من خلالها على سلع مدعّمة.

حتى محاولات البعض في مجلس النواب لإغلاق طوفان المواليد الجدد، يُقابل عام 2018 بسيل من الآراء الدينية المتشددة، وتقابلها مواقف حقوقية متطرّفة.

عضو المجلس عن حزب «المصريين الأحرار» محمد المسعود، كان تقدّم بمشروع قانون بهدف تنظيم الأسرة والمساهمة في حلّ الانفجار السكاني المدوّي في مصر. وينص على عدم استفادة الطفل الثالث للأسرة من الدعم الذي تقدّمه الدولة.

ويقترح المسعود فكرة «الأسرة المتميزة»، وهي التي لا يزيد عدد أفرادها على أربعة، على أن تحصل على مميزات عينية تقررها الدولة، إضافة إلى تسهيلات أخرى للحصول على قروض لتأسيس مشاريع صغيرة وأخرى متناهية الصغر.

لكن صغر الكتلة المصرية التي تؤمن بالأسرة الصغيرة، والتي تعتبر تلك المتواترة الإنجاب عبئاً على كاهلها واستنزافاً لأموال دافعي الضرائب التي يفترض أن توجّه إلى خدمة دافعيها، لا لإطعام الأسر من معتنقي سباق الأرانب وكسوتها وإسكانها، يجعل مناقشة مثل هذه القوانين والأفكار المكبّلة القنابل السكانية التي لا تهدأ أو تفتر، أمراً بالغ الصعوبة.

وتضاعف صعوبة طرح مفاهيم تنظيم الأسرة وتحديد النسل في المناطق الشعبية والعشوائية والريف التي سيطرت عليها قوى متشددة على مدى عقود، من دون أن يلحظ أحد بحكم عملها في الخفاء، ثم ظهورها إلى السطح مع نسائم ثورة كانون الثاني، صعوبة التوعية. تقول خديجة فوزي المختصة بالصحة الإنجابية التي عملت سنوات في مجال التوعية لتنظيم الأسرة، أن منافسة غير متكافئة وغير عادلة قائمة بين رجل دين يقول للأسر الفقيرة التي يعاني الكثير منها من الأمية، أن تحديد النسل وتنظيمه حرام، وطبيب يؤكد أن صحة المرأة وكيان الأسرة ورعاية الصغار تستوجب تنظيم الأسرة. ويقدّم الأول نفسه باعتباره قادراً على إدخال الأسر الجنة التي تنتظرها بعد معاناتها في الدنيا، ويحدّثها الثاني عن أشياء لا تعني لها كثيراً. ليس هذا فقط، بل إن رجل الدين يحرّم عليها أحياناً التعامل مع الطبيب».

وأوقفت فوزي نشاطها في هذه المجال قبل 7 سنوات بعدما عاينت بأم العين كيف تغلّب تيار التشدد الذي ظل يعمل في الخفاء طوال سنوات، خوفاً من قبضة الدولة والقانون.

الغريب أن القانون المقترح يتعرّض لانتقادات من طرف النقيض الآخر لقوى التطرّف، ألا وهو الجماعات الحقوقية.

أصدرت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان بياناً قبل أيام، انتقدت فيه مشروع قانون تنظيم الأسرة الذي يناقش في مجلس النواب، لأنه «يخالف المادة الثامنة من الدستور المصري التي تنص على أن الدولة تقوم على التضامن الاجتماعي، والمادة التاسعة التي تلزمها بتكافؤ الفرص بين المواطنين، والمادة الحادية عشرة التي تلزمها بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة». وفي إطار انتقادها المشروع، اعتبرت المنظمة أنه «مخالف لنصوص معاهدات دولية حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية واتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الطفل»، وطالبت بالتوقف عن مناقشته «لما فيه من تمييز وإخلال بالحق والمساواة بين الأفراد».

أما ميدانياً، فيمضي عدّاد السكان، مضيفاً مولوداً جديداً كل 15 ثانية، حيث مستقبل قوامه ضيق العيش، والعمالة منذ نعومة الأظفار، والحرمان من التعليم، وتوريث الفقر من جيل إلى جيل، تحت رعاية التطرّف من جهة والحقوق وحرية الإنجاب من جهة أخرى.