ألاّ نكون لاجئين أو متطرفين أو مستبدين

ألاّ نكون لاجئين أو متطرفين أو مستبدين

محمد برهومة * |

مع أن المنطقة العربية لا تخلو من الناجحين، أو من قصص النجاح الفردي على مستويات عدة، فإن هذا لا يحتلّ اليوم مكاناً بارزاً من صورتنا في العالم. وربما لا يبدو مُلِحّاً بما فيه الكفاية جدلُ سكان هذه المنطقة حول صورتهم، ومدى نصيبهم ومساهماتهم من محصلة الخير والجمال والإبداع في العالم. الأمر، في الحقيقة، لا يقتصر على الدول العربية، بل يضم تركيا وإيران وإسرائيل أيضاً. حين نلقي نظرة حولنا، نجد أننا في الشرق الأوسط أمام فائض من السيناريوات، وأمام شحّ، إلى حدّ العدم، في النماذج. هنا تتماهى كلمة «سيناريو» مع الفشل أو الأفق الكارثي أو النتيجة المحبطة، أو - في عقلية المؤامرة - مع المخطط الجهنمي لتمزيق البلدان وتقسيم المجتمعات، ونهب ثرواتها واستنزافها، حيث يتكرر التحذير من نموذج لبناني يُضعف الدولة والمجتمع، أو نموذج عراقي أو سوريّ يحفّز نوازع الطائفية والعنف، أو نموذج ليبي أو يمني أو سوداني... يجعل الغلبة للميليشيات والقوى العسكرية والقبلية، التي تقدم صوراً لحالة سياسية أو ثقافية واجتماعية تسبق نشوء الحداثة، بأنظمتها وقوانينها ومؤسساتها وقيمها. وكما هو معروف، اعتدنا قبل نحو عقد ونصف العقد - في ظل «قحط» النماذج وقصص النجاح المتكاملة والمغرية في منطقتنا في مجال الدولة والحكم والتنمية - أن نُكثر من استدعاء «النموذج التركي» كمثال أكثر صلاحية من غيره في المنطقة لتقديم الدروس، فإذا بنا نُمنى بجرعة إحباط إضافية ونحن نكتشف عورات هذا النموذج ونقاط ضعفه، التي رسّخها قائد شعبوي سريع الهياج مثل رجب طيّب أردوغان، أكّد بسلوكه السلطوي والإقصائي هشاشة التعويل على الإسلاميين لتحجيم حكم العسكر، وهشاشة التعويل عليهم في التعاطف مع المظلومين؛ من أقليات وغيرهم. وقبل نحو شهر اندلعت في إيران احتجاجات شعبية مفاجئة وعفوية، أبرزت تمرد الهوامش الاجتماعية على المتن، والأطراف على المركز، وأبرزت تصاعداً في حراك نسوي ضد القيود المفروضة بإيران على حجاب وأزياء النساء في الأماكن العامة، إلاّ أن النظام تمكّن، كما كان متوقعاً، من قمع الاحتجاجات وإخمادها. حتى إسرائيل، التي كانت شائعةً المقارنةُ العربية معها، بجامعاتها وصحافتها المستقلة وتفوقها العلمي والبحثي وتقدمها التكنولوجي، باتت - مع عنصرية حُكم اليمين وغطرسته، وبشاعة الاحتلال والاستيطان - أضعف حجةً في تقديم نموذج جاذب. اليوم، نلحظ كيف أن مسار فشل وإفشال الانتفاضات العربية منذ سبع سنوات يقدّم مزيداً من الشواهد على أن الأزمة التي يواجهها العالم العربي لا يمكن اختصارها بـ «أزمة نظام»، على رغم مركزية هذه المقولة في التشخيص والتحليل، بل إنها تتعدى ذلك إلى كونها أزمة الدولة العربية ذاتها وأزمة مجتمعاتها، التي لا تدفعها «صورتها المتردية في العالم» إلى إجراء مراجعات مستحقة في نماذج بناء الدولة- الأمة، وفي تضاريس الهُوية، التي باتت في حاجة إلى جراحات جيولوجية، ربما؛ إذْ كيف لي أنْ أخسر دائماً ولا يدفعني ذلك إلى تغيير نفسي، والامتعاض منها، ونسف أسطورة أنني مبتلىً، أو أنني «على طريق الحق ولو قلّ سالكوه»، كما دأبت أدبيات «الإخوان» على التكرار! قد يكون دعم قصص النجاح الفردي وتعزيزها من المداخل المتفائلة لوقف الانحدار، وبدء سجال حقيقي عن صورتنا في العالم، أو تعديلِ «بِروازِها» حتّى... لعلّنا نُوْلعُ ذاتَ يومٍ ونفرحُ بكثرةِ نماذج النجاح و «السلوك الطبيعي»، لا بقصص اللاجئين والمتطرفين والمستبدين.