«المنزل الصيفي» لهيرمان كوخ ... تواطؤ الرغبات

«المنزل الصيفي» لهيرمان كوخ ... تواطؤ الرغبات

علي عطا |

رواية «المنزل الصيفي» للكاتب الهولندي هيرمان كوخ، والتي صدرت أخيراً في 378 صفحة عن «العربي للنشر» في القاهرة؛ بدعم من «المؤسسة الهولندية للآداب»؛ بترجمة محمد عثمان خليفة محورها اتصال جنسي سيقال في النهاية إنه جرى باتفاق طرفيه، ولكن من دون أن يقر أي منهما بذلك. أما في البداية، فستثار شكوك في اتجاه أنه اغتصاب طفلة على يد كهل. تأخُر ظهور الحقيقة، أو بالأحرى عدم التيقن منها حتى نهاية العمل، يترتب عليه وقوع جريمة قتل متعمّدة، وليس نتيجة خطأ طبي، كما حاول مرتكبُها والدُ الطفلة، وهو طبيب؛ أن يصورها، في حال اكتشافها، على أمل ألا تتجاوز عقوبته عليها توجيه لومٍ سري إليه أو حتى منعه من ممارسة مهنته لمدة محددة أو للأبد. مارك شلوسر؛ طبيب عام، وذلك في حد ذاته يسبب له عقدة نفسية، ورالف ماير؛ ممثل مشهور؛ يقرران قضاء الإجازة بصحبة أسرتيهما في منزل استأجره الثاني لهذا الغرض. تتوالى الأحداث حتى تبلغ ذروتها بأن يقع شلوسر في «خطأ طبي» يؤدي إلى وفاة ماير، لكن هذه الذروة يبدأ بها العمل لتتوالى وقائع ترتبط به بطريقة الفلاش باك. السارد في الرواية هو شلوسر نفسه، ويعمد الكاتب إلى التشويق الذي يصل إلى حد وضع الأمور في إطار حبكة بوليسية تجعل القارئ في شوق إلى معرفة حقيقة ما جرى ومدى التواطؤ أو التعمد خصوصاً في ملابسات موت الممثل المشهور، وتعرض الطفلة جوليا التي بلغت للتو الثالثة عشرة من عمرها، لـ «اعتداء جنسي عنيف»، أو «اغتصاب»، أثناء قضائها الإجازة مع شقيقتها التي تصغرها بعامين ووالدتها ووالدها، مع ماير وزوجته جوديث وولديه، وأحدهما في الخامسة عشرة من عمره والآخر يصغره بعامين أيضاً. وإلى هؤلاء، كان ماير يستضيف كذلك والدة زوجته، ومخرجاً أميركياً من أصل هولندي وصديقته التي لا يبدو أنها تجاوزت الثامنة عشرة من عمرها. وخلال الإجازة التي يشير السارد إلى أنها خارج هولندا من دون أن يحدد اسم البلد، وإن كانت هناك إشارات على أنه بلد أوروبي، يتردّد على المنزل سبّاك لإصلاح بعض الأعطال، فيتودّد إلى طفلتي شلوسر إلى أن تطلب منه الكبرى أن يفض بكارتها، وفق ما اعترف به ماير؛ لأبيها، وهو في اللحظات الأخيرة في حياته، استناداً إلى رواية ابنه الأكبر الذي كان بصحبة «الضحية» وقت وقوع الاتصال الجنسي. تواطأ الجميع لنحو سنة على اعتباره اغتصاباً عنيفاً لا تتذكر الطفلة جوليا كيف حدث ومن ثم هي لا تعرف من الذي أحدثه. لا يخفي السارد إيمانه بأن «الأب؛ أي أب يفضل أن يكون له ابن على أن يكون له ابنة... والحقيقة أن أي أم كذلك أيضاً». ويضيف: «كان البروفيسور هرتزل يدرس لنا مادة البيولوجي وألقى علينا محاضرات في العام الأول من كلية الطب عن الغريزة؛ ومما قاله:- الخلاص من الغريزة غير ممكن، لكن بوسع سنوات من الحضارة أن تجعل الغريزة خفيّة». آرون هرتزل، فصلته الجامعة بسب دراساته على العقل الإجرامي؛ يؤكد السارد، مضيفاً: «هو علّمنا: العين بالعين والسن بالسن. نحن لا نرغب في أن نرى القاتل أو المغتصب في حياتنا من جديد». «تعاليم» هرتزل تلك؛ ستظل دائماً في وعي مارك شلوسر، وحتى في لا وعيه. ستدفعه أولاً إلى إغواء زوجة رالف ماير، بعدما اعتقد أن الأخير ينظر إلى جسد زوجته بشبق ويتمنى أن يضاجعها، متصوراً أنه هنا يطبق عدالة «العين بالعين والسن بالسن». ثم يتطور الأمر إلى تدبيرٍ ظنَه مُحكماً للخلاص من صديقه هذا؛ بأن استأصل بالمشرط جزءاً من ورم خبيث في جسده بحجة أنه سيرسله إلى المعمل لفحصه. تلك العينة سيلقي بها شلوسر في صندوق القمامة، وسيوهم صديقه بأن الفحص أثبتَ أن الورمَ حميدٌ وعلاجه لا يتطلب سوى تناول بعض العقاقير. تلك العقاقير سيتبين أنها فاقَمت الخطر، فضلاً عن أن استئصال جزء من الورم بالمشرط بطريقة غير مهنية ساعد على انتشار السرطان في سائر جسد رالف ماير. ثم إن هرتزل نفسه سيكلّف من مجلس طبي رسمي بدرس الملف الخاص بوقوف تلميذه وراء التدهور السريع في صحة رالف ماير، ومن ثم موته. سيتصل هرتزل بشلوسر هاتفياً ويتأكد من أن تلميذه مدان بعد أن يوجه إليه عدداً من الأسئلة، وأنه يستحق أن يُحاكم جنائياً، بما أن ما ارتكبه يتجاوز الخطأ الطبي. لكنه يقتنع بدافعه اتساقاً مع إيمانه بأن المغتصب يستحق القتل بيد «ولي الدم»، بما أنه لا ثقة في أن العدالة التي تكفلها الدولة قد لا تقرر الجزاء الذي يؤمن بأنه الوحيد العادل. تقتحم جوديث؛ زوجة رالف ماير؛ عيادة شلوسر، غاضبة، بعدما أبلغها الطبيب الاختصاصي بأن طبيب زوجها هو المتسبب في موته، ليس لأنه ساعده بموافقة الجميع على «الموت الرحيم» بأن سقاه من كأس فيها شراب مختلط بالسم حتى لا يطول احتضاره، ولكن لأنه تعمّد عدم إرسال عينة من ورمه السرطاني إلى المعمل، ووصفَ له عقاقير عجّلت بتدهور صحته، في شكل لا ينفع معه أي تدخل طبي. لكن سيتبين لاحقاً أن السبب الحقيقي لغضب جوديث هو أن شلوسر أبلغها قبيل موت زوجها بأنه لم يعد يرغب في استمرار علاقتهما الجسدية السرية، بل ولم يعد يرغب في وجودها في حياته على أي نحو. بين «حادثة» الشاطئ، القريب من المنزل الصيفي، وموت رالف ماير، سنةٌ، اقتنع شلوسر في نهايتها بأن جوليا لم تعد طفلة، أو هو لم يجد مفراً من أن يتعامل معها على ذلك النحو، ولكنه لم يجرؤ على أن يفاتحها في ما قاله ماير قبل دقائق من موته عن أنها هي التي دبّرت اتصال السباك بها جنسياً وادعت أنها لا تذكر شيئاً عما حدث لها وتظاهرت عندما عثروا عليها شبه عارية بأنها غائبة عن الوعي. كما سيعلم شلوسر أن ابنتيه على اتصال بالمخرج الهولندي الأميركي الذي قضى معهم تلك الإجازة المشؤومة في المنزل الصيفي، عبر «الإنترنت»، على أمل أن يساعدهما على السفر إلى هوليوود، لتعملا في مجال عرض الأزياء، تمهيداً لتقديمهما في غضون سنوات قليلة إلى إحدى شركات الإنتاج السينمائي فتتحولان إلى نجمتين في عالم الفن السابع والشاشة الفضية. وهكذا، يضطر شلوسر إلى التواطؤ لإفساح المجال لرغبات تبدو في رأيه غريزية ولا جدوى من مقاومتها، فيصطحب أسرته قبل أيام قليلة على موعد اتهامه رسمياً بالقتل، إلى أميركا؛ التي بدت وكأنها ملاذ آمن لأمثاله، ليأتي ختام الرواية على هذا النحو: «التفتَت نحوي (جوليا). لقد مرّت اللحظة المناسبة (يقصد لحظة سؤالها عن حقيقة ما حدث بالقرب من المنزل الصيفي). فاتَتني إلى الأبد. هكذا أيقنتُ. أضحَت من الماضي. أما ابنتي الواقفة فوق البسين فهي المستقبل. تبادلنا النظرات. في البداية رأيتُها فتاةً صغيرة. ثم أغمضتُ عينيّ، وفتحتُهما، فتحوّلت إلى امرأة. امرأة تقفز برشاقة نحو الماء». هيرمان كوخ (1953) كاتب وممثل كوميدي، له مجموعة قصصية بعنوان «المارةّ»، نُشرت عام 1985، ونشرت روايته الأولى «أنقذينا يا ماريا مونتانيللي» في العام 1989. روايته «العشاء» التي نشرت في العام 2009 كانت أول رواية هولندية تصل إلى قائمة الأكثر مبيعاً لجريدة «نيويورك تايمز» لأسابيع عدة، وفازت في العام نفسه بجائزة Ns Audience award وترجمت إلى أكثر من 34 لغة، وتم تحويلها إلى عرض مسرحي في العام 2012، ثم إلى فيلم هولندي وآخر إيطالي، قبل أن تلتقطها هوليوود وتحولها إلى فيلم من بطولة ريتشارد غير. ولهيرمان كوخ روايات أخرى منها «الحفرة»، و «عزيزي مستر إم».