ثبات إسرائيل... ومأساة المواطن العربي مُحسن فكري

ثبات إسرائيل... ومأساة المواطن العربي مُحسن فكري.(أ ف ب)
عبد الرحمن عبد المولى الصلح |

زيارة نائب الرئيس الأميركي مايك بنس إلى إسرائيل، أكدت المؤكّد: دعم واشنطن اللامتناهي واللامحدود لتل أبيب، وتكريس القدس عاصمةً لإسرائيل. رافق زيارة بنس قرار واشنطن وقف المساعدات لمنظمة «الأونروا». لقاءات بنس مع العاهل الأردني الملك عبد الله أيضاً لم تأتِ بجديد. قالها بنس بوضوح «اتفقنا على أن نختلف»، وهذا جلي، ذلك أنّ لقدرة عمّان على الاختلاف حدوداً، ومن الصعب التنكُّر للمساعدات الأميركية للأردن. حين أعلن الرئيس الأميركي ترامب قراره نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وإعلان القدس عاصمة لتل أبيب، توقعتُ- كما غيري- الردّ العربي على القرار: احتجاجاتٌ شعبية وأجواء غضب سيطرت على الشارع العربي (مع الحرص على دوس العلم الأميركي، قبل حرقه!)، كانت هي نفسها والعويل نفسه الذي حصل بعد وعد بلفور 1917 وبعد قرار تقسيم فلسطين 1947 والاعتراف بها 1948. هي نفسها، الاحتجاجات التي شهدناها بعد الهزيمة القاسية 1967. عويلٌ لا يُسمن ولا يُغني من جوع.


لم يُخالجني أيّ شك بأنّ ترامب كان على درايةٍ أو بالأحرى لم يُفاجأ بردود الفعل الغاضبة التي شهدتها الساحة العربية ردّاً على قراره نقل السفارة الأميركية إلى القدس. لم يكترث. ولماذا يفعل، وهو يعي- مع الإستبلشمانت الأميركية- أنّه أمام دول عربية عاجزة، وأنظمة قلقة على استمراريتها، ومنظمة تحرير فلسطينية تنوء تحت الانشقاقات المتواصلة. وعلى عكس ما تردّد، أميل إلى الاعتقاد بأنّ قرار الرئيس الأميركي لم ينبع من مزاجية شخصية، بقدر ما كان مبنياً على تقويم واضح للعجز العربي. علماً أنّ إسرائيل لم تتوقف أبداً عن السعي إلى تهويد القدس وإيجاد مناطق يهودية في صلب الأحياء العربية في القدس، أو العمل على بناء كُتل من المستوطنات اليهودية حول المدينة بهدف إنشاء حزام يهودي.

زيارة بنس عكست لامبالاة واشنطن تجاه أي ردّ فعل عربي وغياب أيّة تداعيات سلبية قد تتأثر بها واشنطن كرّد فعلٍ من النظام العربي الرسمي. إذاً، نحنُ أمام أنظمة عاجزة. في المقابل، وحدها إسرائيل، مع الأسف، هي المستقرّة في المنطقة. فمنذ تأسيسها عام 1948، أضحت إسرائيل حجر الرُحى في العالم العربي، لا بل في العالم أجمع، وأضحت أيضاً محط أعين بعض الأنظمة العربية لتمكينها من بلوغها أهدافها الخاصة بها. نقول ذلك والأسى يُخالجنا. لكنّ الوقائع، مع الأسف، تُثبت ذلك. ففي الأربعينات من القرن الماضي، على سبيل المثال لا الحصر، ربطت أواصر الود والتعاون بين الملك الهاشمي عبد الله ملك الأردن والمسؤولين الإسرائيليين بهدف استمرارية حكمه. في الستينيات، كان لإسرائيل اليد الطولى في الإيقاع بالمعارض المغربي المهدي بن بركة في باريس، ذلك بطلب من العاهل المغربي الحسن الثاني، كما كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية قبل سنتين. بعدها، تكفّل أوفقير جنرال العاهل المغربي، بصب الأسيد على بن بركة وقتله! الصحيفة نفسها، كشفت أيضاً أنّ الملك المغربي وافق على نقل المغاربة اليهود إلى إسرائيل مقابل 150 دولاراً أميركياً عن كل مغربي. بعد هزيمة 1967 النكراء، تبيّن أنّ جمال عبد الناصر- الذي تسبّب بتلك الهزيمة القاضية (المؤسف انّه بدلاً من أن يُسأل ويُحاسب استمرّ بالحكم!) عرض الصلح مع رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير. هي التي رفضت طلب عبد الناصر قائلةً: «لماذا أقبل الصلح مع رئيسٍ مهزوم؟». وفي منتصف الثمانينات، لم تتردّد طهران أيّام الخُميني بالتعاون مع إسرائيل التي أرسلت شحنات الأسلحة إلى نظام الملالي لاستعمالها في الحرب العراقية الإيرانية. أيضاً ظنّ بعض اللبنانيين أنّهم بتعاونهم مع إسرائيل قد يضعون حدّاً للسيطرة الفلسطينية على البلاد، لكنّ حساب الحقل لم ينطبق مع حساب البيدر. وفي أوائل هذا القرن، كان لرامي مخلوف ابن خال حاكم دمشق بشار الأسد، التصريح الشهير: «إنّ أمن إسرائيل هو من أمن النظام في سورية». وكانت للأكراد أيضاً حُصّة، فالتعاون الإسرائيلي الكردي منذ أوائل الستينات أضحى معلوماً ومكشوفاً.

إسرائيل مستقرة، وعلى رغم كلّ عنصريتها فهي ديموقراطية بالنسبة إلى يهودها. وإسرائيل شئنا أم أبينا، دولة مؤسسات وقانون ودستور حيثُ يتم تداول السلطة. تجدر الإشارة بأنّه جرت 19 دورة انتخابية في إسرائيل منذ تأسيسها عام 1948، وهي انتخابات لعبت دوراً مهمّاً في المسار السياسي، علماً أنّ النظام المتّبع في إسرائيل يتمّ بناءً على القائمة النسبية والتي تسمح لأصغر حزب بأن يحظى بمقاعد في الكنيست. بالمقارنة، يشهد العالم العربي انتخاباتٍ رئاسية وبرلمانية هي في الواقع شكلية لا تسمن ولا تُغني من جوع. ففي مصر نجح النظام بعد جهدٍ جهيد بإيجاد منافسٍ لرئيس الجمهورية الحالي. وهكذا برز فجأة إلى السطح رئيس «حزب الغد» المصري موسى مصطفى موسى إلى السباق الرئاسي، الأمر الذي أثارَ حالة من الجدل حول جديّة المنافسة، كما ذكرت رحاب عليوه. («الحياة» 30/1/2018). وفي العراق من المرتقب أن تجري انتخاباتٌ برلمانية في أيّار (مايو)، في وقتٍ تظل مدن كالموصل والأنبار فارغةً من سكانها، مع تعمّد عدم إعمارها انطلاقاً من حقدٍ مذهبي دفين. وهي انتخابات مذهبية بامتياز. فبقدرة قادر، أضحى لميليشيا «الحشد الشعبي» مرشحون. أمّا في لبنان، فحدّث ولا حرج عن وضع قانون انتخابي تطغى الشوائب والسيئات فيه على الحسنات إن وجدت. وقد أضحى معروفاً مَنْ سيفوز مقدّماً بـ 110 مقاعد من أصل 128. ومن المؤسف أنّ القانون اللبناني الذي ستُجرى على أساسه الانتخابات البرلمانية في أيّار المقبل، قد وُضع وفي الذهن رؤى أقلوية وجهوية.

نورد ما سبق للإشارة إلى شكل من أشكال الخلل في النظام العربي الرسمي. الفرضية التي انطلق منها، أنّه في ظلّ زعزعة الوضع العربي والذي يحرص نظام الملالي في طهران على الإمعان في العمل على عدم استقراره بالتدخل في شؤون الدول الأخرى وعدم احترام مبدأ حُسن الجوار... مقارنة بثبات الوضع في إسرائيل العدوّة. فالكفّة تميلُ إلى مصلحتها التي لن تتوقف عند اعتمادها القدس عاصمةً لها، بل إلى ما هو أسوأ وأدهى! ثبات إسرائيل مستمَدٌّ من ديموقراطيتها ونظامها النابع من كرامة المواطن الإسرائيلي واحترام خياراته.

ولن يستقيم الوضع في عالمنا العربي، إلاّ إذا استعاد المواطن العربي كرامته وزال قهره. هل تذكرون محسن فكري؟ إنّه المواطن المغربي الذي تمّ فرمه في شاحنة النفايات حين حاول استعادة صيده في مدينة الحسيمة المغربية في 31/10/2016! ولا أبالغ في القول إنّه حين يستعيد المواطن العربي حرّيته وكرامته وخياراته، ويتوقف فرمه ليسَ فقط من خلال الشاحنات، بل من خلال أدواتٍ يُتقنها النظام العربي الرسمي، إذ ذاك، يستعيدُ النظام العربي ثباته واستقراره، ويصبح بالإمكان التصدّي لإسرائيل والصمود أمامها!