إنه تغييب للعقل!

أحمد الحناكي |

يبدو أن هناك صفات في الإنسان من الصعب أن تتغير، ومنها الاندفاع أو الحدة أو الحسد أو التطرف أو كلها جميعاً.


قبل نحو 17 عاماً كتب دكتور في منصب حكومي رفيع مقالة ينتقد فيها كتاب الدكتور غازي القصيبي «حياة في الإدارة»، والمثير أن ذلك النقد أتى في وقت كان الإقبال فيه على ذلك الكتاب الممتع منقطع النظير.

كنت قد قرأت الكتاب، وأنا الذي يلتهم كل ما يكتبه الدكتور التهاماً، واستمتعت به أيما استمتاع، وبخاصة أن العنوان قد لا يشد القارئ، إذ توقعت أنه عن أمور إدارية لا أفهمها، غير أن الكتاب كان مختلفاً، فهو يحكي عن تجارب له، وقصصه الحقيقية عن أعماله في الدولة، ومواقفه مع الملوك والأمراء والوزراء الذين عاصرهم.

قرأت نقد ذلك الدكتور، وفوجئت بالتحامل والهجوم الذي يكاد يكون شخصياً، ولمست أن هناك أموراً لا علاقة لها بالكتاب، بل بشخص القصيبي، وصراحة من يقرأ للقصيبي أو يشاهد مقابلاته أو يسمع عن أعماله وسلوكياته ومواهبه لا يملك إلا أن يبدي إعجاباً، غير أن الرجل اكتسب عداء من خالفوه وحاربوه حياً وميتاً، على رغم أن كثيراً منهم ندم لاحقاً أو تغيّر، وربما كان تغيير «مكره أخاك لا بطل»، بالتالي كتبت مقالة في جريدة «اليوم» رددت فيها على مقالة طيب الذكر، وعنونتها باسم «نادي حساد القصيبي»، وذكرت المدعو ومعه كاتبة أخرى تهجمت على غازي القصيبي متحاملة ومؤلبة على موضوع آخر لا يستحق ما اتهمته فيه.

بالنسبة إلى غازي القصيبي فهو لم يرد على مقالاتهم، وبالمناسبة هو قليل ما يدخل في مناكفات أو سجالات، لربما أن من يهاجمه عادة إما مخالفون له، وهؤلاء يرد بشكل عام على أطروحاتهم، أو هجوم شخصي وقلما يلتفت إليهم.

بعد المقالة تواصل معي الدكتور إياه من طريق مدير مكتبه، الذي هاتفني وأخذ يناقشني بالمقالة ويحاول أن يبرر، فقاطعته بجملة واحدة، إذا كان للدكتور رد فليرد على مقالتي في الجريدة، وانتهى الأمر عند هذا الحد.

استكمالاً للموضوع، فقبل أيام حضر أحد الأصدقاء ندوة للدكتور والباحث العراقي نبيل الحيدري، بعنوان «قضايا إيرانية»، بدعوة من «هيئة الصحافيين»، وأثناء مداخلة لإحدى الكاتبات المعروفات تحدثت عن الخليفة علي بن أبي طالب، وبأنه صوّر كشخصيتين، واحدة أسطورية، وهي تلك التي تصوره خارقاً للعادة، مثل أن ينتزع بيده باب حصن خيبر، وهو يتجاوز وزنه المئات من الكيلوغرامات، أو أنه يحارب الألوف وحده ويهزمهم، ومن دون شك فإن الصحابي الجليل كان شخصاً شجاعاً ونزيهاً وعادلاً، غير أن الصفات التي ذكرت لا تنطبق على البشر، أما القصة الحقيقية عنه هو أنه كما ذكرت الكاتبة لم يكن قائداً عسكرياً مثل خالد بن الوليد، أو سياسياً كمعاوية بن أبي سفيان، مع أن هناك إجماعاً منقطع النظير على أفضليته عليهما، وبمجرد ما ذكرت الكاتبة ذلك حتى هبّ من أحد الصفوف صاحبنا الدكتور إياه وهو متشنج ومنفعل طالباً من الكاتبة المتداخلة الاعتذار، سانده في ذلك مقدم الندوة الذي يشاركه الآراء المحافظة والمنغلقة، شاعِرين بالرعب من محاولة التمييز ما بين النقد والهجوم (هو لا يعتبر حتى نقداً، بل توضيح أن البعض بالغوا في تصوير شخصية علي بن أبي طالب إلى درجة التقديس وإسباغ صفات خارقة عليه)، عندما عرفت أنه الدكتور نفسه الذي تهجم على القصيبي، تبين لي أن سبب هجومه هو ذلك «التشدد»، كون القصيبي رجلاً منفتح الفكر، لكنه لم يكن قريباً إلى قلبه.

وعودة إلى النقد، فإنني أجزم أن ما أثاره أكثر هو أن الناقدة امرأة، وهو ما جُبل عليه هو وأقرانه أن يعتبروها عيباً بحد ذاتها، فما بالك وهي تناقش ما يعتبره مقدسات لا تنتهك؟

كنت أتمنى أن يكون مدير الندوة محايداً وليس طرفاً، وأنا هنا ألومه، فهو يعتقد أن من واجبه محاربة أي فكر حر مستقل.

abofares1@